Blog de Sanaa El Aji

Blog de Sanaa El Aji
Quand un sage indique la lune, l’idiot voit le doigt

La vie à l’envers

août 29th, 2009

On devrait vivre la vie à l’envers :

On commencerait par mourir, ça éliminerait ce traumatisme qui nous suit toute notre vie.

Après tu te réveilles dans un asile de vieux, en allant mieux de jour en jour.

Alors on te met dehors sous prétexte de bonne santé et tu commences par toucher ta retraite.

Ensuite, ton premier jour de travail on te fait cadeau d’une montre en or. Tu travailles 40 ans jusqu’à ce que tu sois suffisamment jeune pour profiter de la fin de ta vie active. Tu vas de fêtes en fêtes, tu bois, tu baises, tu n’as pas de problèmes graves. Tu te prépares à faire des études universitaires.

Puis c’est le collège, tu joues avec tes copains, sans aucune obligation jusqu’à devenir bébé. Les derniers 9 mois tu les passes flottant tranquille, avec chauffage central, room service etc… Et au final, tu quittes ce monde de merde dans un orgasme !!!!!

Poème de Nizar Kabbani

août 22nd, 2009

يوم طردوني من القبيلة ..
لأني تركت قصيدة على باب خيمتك ..
وتركت لك معها ورده ..
بدأت عصور الانحطاط ..
إن عصور الانحطاط ليست الجهل بمبادئ النحو الصرف ..
ولكنها الجهل بمبادئ الأنوثة ..
وشطب أسماء جميع النساء من ذاكرة الوطن ..

آه يا حبيبتي ..
ما هو هذا الوطن الذي يتعامل مع الحب ..
كشرطي سير ؟ ..
فيعتبر الوردة مؤامرة على النظام ..
ويعتبر هذا الوطن المرسوم على شكل جرادة صفراء ..
تزحف على بطنها من المحيط إلى الخليج ..
من الخليج إلى المحيط ..
والذي يتكلم في النهار كقديس ..
ويدوخ في الليل على سرَّة امرأة ..

ما هو هذا الوطن ؟
الذي ألغى الحب من مناهجه المدرسية ..
وألغى فن الشعر ..
وعيون النساء ..
ما هو هذا الوطن ؟
الذي يمارس العدوان على كل غمامة ماطرة
ويفتح لكل نهد ملفاً سرياً ..
وينظم مع كل وردة محضر تحقيق !!.

يا حبيبتي ..
ماذا نفعل في هذا الوطن ؟
الذي يخاف أن يرى جسده في المرآة ..
حتى لا يشتهيه ..
ويخاف أن يسمع صوت امرأة في التلفون ..
حتى لا يُنقـَضَ وضوءُهُ ..
ماذا نفعل في هذا الوطن ؟
الذي يعرف كل شيء عن ثورة أكتوبر ..
وثورة الزنج ..
وثورة القرامطة ..
ويتصرف مع النساء كأنه شيخ طريقة ..
ماذا نفعل في هذا الوطن ؟
بين مؤلفات الإمام الشافعي .. ومؤلفات لينين ..
بين المادية الجدلية .. وصور ( البرونو ) ..
بين كتب التفسير .. ومجلة ( البلاي بوي ) ..
بين فرقة ( المعتزلة ) .. وفرقة ( البيتلز ) …
بين رابعة العدوية .. وبين ( ايمانويل

هلوسة في منتصف الليل

août 11th, 2009

صغيرتي،

 

بعد السلام، أعترف لك بأني أحسست بالحاجة للكتابة إليك. أعرف أن زمن الرسائل مضى وولى، لكني ما زلت أحمل بين ضلوعي الحنين لبعض رموز زمن غير بعيد، مازلت أحن إليه. أحب الرسائل التقليدية. أفضلها على الإيميلات المختصرة والرسائل الهاتفية، لأنها تحمل، بالنسبة إلي، شحنة من العواطف لا تستطيع التكنولوجيات الحديثة أن تنقلها. استيقظت اليوم وبأحشائي الرغبة في أن أكتب لطفلة كنتُها في يوم من الأيام. أنظر إليها والابتسامة على شفتي. أنظر إلى شقاوتها وإلى أحلامها وإلى تناقضاتها وتخوفاتها، فتستولي علي الرغبة في مخاطبتها…

 

لست ماضوية، صدقيني… بل إني أرفض الفكر الماضوي جملة وتفصيلا. لا تصدقي كل أولئك الذين يخبرونك بأن الزمن الماضي كان أفضل وأن الحب في زمن الآباء كان أصدق، وكانت الصداقة وكان الوفاء. لم يكن العالم أفضل حينما كنا نطبق تعاليم الدين الحنيف، لأن التاريخ أثبت أنه لم يكن هناك عهد تم فيه تطبيق الدين بحذافيره. لا تصدقي أن النساء في السابق كن أجمل، لأنهن كن يستعملن وسائل التزيين التقليدية؛ ولا أن الرجال كانوا أكثر رجولة والأطفال أكثر براءة… كل هذه مجرد خزعبلات. الطبيعة البشرية لم تتغير. الحب كان وسيكون، والغدر كان وسيكون، والوفاء كان وسيكون، والجمال كان وسيكون.

 

لا أريدك أن تلغي ماضيك لأنه جزء منك. لكن تطلعي إلى المستقبل وافتحي له الأذرع. عيشي اللحظة أيضا. عيشي الحاضر. مشكلتنا يا صغيرتي أننا موزعون بين التفكير المطول في ماض نَحِنّ إليه، وبين الرغبة في بناء مستقبل زاهر لا نعرف كيف سيكون. بين هذا وذاك، ننسى أن نعيش الحاضر. ننسى أن نتمتع باللحظة. الحاضر مهم يا صغيرتي، لا تنسي ذلك. أحاول أن أعيشه بكل ما يحمله إلي. لا أكترث لقيم يفرضها علي المجتمع. أصنع قيمي بنفسي. المجتمع يسعى دائما إلى تقييدي بأفكاره وتصوراته المتناقضة. يريد أن يجعل مني نسخة من امرأة لا تشبه حقيقتي. يريدني أن أكون بشكل معين وحياة معينة لكي لا أخرج عن النمط وعن المألوف وعن المتعود عليه. أرفض يا صغيرتي هذا التنميط، وأعرف أن هذا يخيفك، لأنك لا تفهمين جيدا كل الأسئلة التي تدور بذهنك اليوم.

 

لقد قررت منذ زمن أن أشبه المرأة التي أريدها. أعتذر، لأنك ستعانين من هذا الاختيار لفترة معينة، لكنك فيما بعد ستفهمين أنه كان الاختيار الأفضل: أن تتحدي وأن أتحدى المألوف الذي قد لا يشبهنا. لماذا يصرون أن يجعلوا منا نسخا متشابهة، مكررة؟ لماذا يخافون من أفكارنا وتصوراتنا وضحكاتنا ونكتنا وأُحادِيَتنا؟ لماذا يريدوننا صورا متشابهة تتكرر وفق نمط معين لتعطي أشكالا معينة؟

 

ثوري يا صغيرتي… ثوري ضد كل من يريدون لجم حريتك. حريتك وحريتي تخيفهم. لكن هل تعرفين لِمَ؟ إنهم يخافون حريتنا، لأنها تعكس لهم أَسْرهم وضعفهم. يكرهون حريتنا، لأنها تجعلهم يغرقون في مزيد من التنميط، حماية لذواتهم المزيفة من ذواتهم الحقيقية.

 

 

 

المغرب هذا…

 

ليس هناك شيء يستفزني كما تستفزني عبارة “المغرب هذا”. ليس قدرنا يا صغيرتي أن نكون شعبا متخلفا ولا قدرنا أن نغرق في أوحالنا. “المغرب هذا”، لأننا أردناه هكذا. لسنا إلا مجرد أنانيين ومنافقين. ننتقد كل شيء طالما نحن الضحايا، لكننا نعيد إنتاج نفس الممارسات ونفس السلوكات كلما أتيحت لنا فرصة الاستفادة منها. أغلب من ينتقدون الرشوة يعمدون إليها. أغلب من ينتقدون الفوضى في شوارعنا يسوقون سياراتهم بشكل جنوني. أغلب من ينتقدون عدم الانضباط والأنانية، يزعجهم أن يقفوا في الصف بانتظار دورهم. كنت منذ بضعة أيام في محطة القطار، حين وصلت فتاة أنيقة أمام الشباك لتحجز تذكرتها. استوقفتها لأنبهها إلى الصف الطويل الذي يقف فيه مواطنون مثلها، ينتظرون دورهم. ابتسمت بخجل وهي تقول: “آسفة، أنا مستعجلة”؛ وكأننا، من جهتنا، كنا هنا لتزجية الوقت لا غير. أليست هذه قمة الأنانية واللاحضارة؟ شبه متأكدة أنا أن هذه الفتاة ممن ينتقدون تخلف المغرب والمغاربة، بينما هي في الواقع جزء من مظاهر هذا التخلف، بل ومُكوّن أساسي له.

 

تعرفين، أعتقد أننا جميعا نحاول الاستفادة من النظام الكائن، كل حسب وسائله، كل حسب إمكانياته. حين لا ننجح في ذلك، ننتقد النظام وننتقد الفساد وننتقد الرشوة وننتقد استغلال النفوذ…

 

 أعترف لك بأني نفسي قد أمثل أحيانا شكلا من أشكال هذا التخلف، حين تطغى علي الأنانية ويغلفني الجهل. لكني أنصحك بشيء مهم: لا تخافي أبدا من مساءلة نفسك. لا تغرقي في تناقضاتك. لا تنتقدي شيئا طالما تستفيدين منه بدورك وحاولي قدر الإمكان أن لا تستفيدي من نظام أعرج قد تنتقدينه عن صواب.

 

لا أؤمن بالسواد الكالح الذي يغلف هذا الوطن. أرى الأبيض في كل مكان، تماما كما أرى بقع السواد. أكره الخطابات الشعبوية التي مفادها أن كل الأغنياء مصاصو دماء وكل الوزراء مستغلو نفوذ وكل المنتخَبين انتهازيون. أكره هذا الخطاب، لأنه يجعلني ألعب دور الضحية، وأنا أكره لعب دور الضحية. لست ضحية يا صغيرتي، لأنني جزء من هذا الوطن ومن تناقضاته ومن كل الأشياء الجميلة فيه. لست ضحية لأننا، شئنا أم أبينا، نساهم في التغيير أو نكرس الجمود. وأنا أريدك أن ترفضي الجمود. كوني جزءا من التغيير الذي تحلمين به لهذا الوطن. لا تنتظري كل شيء من أصحاب القرار. مهما كانت نواياهم، فلن تكوني أبدا متأكدة من تحقيق أحلامك عبرهم. بالمقابل، لديك ضمانة شبه أكيدة بأنك وحدك تعرفين ماذا تنتظرين من الغد. قد يوفرون لك الظروف لذلك وقد يُحبطونك. لا تنتظري منهم كل شيء ففي ذلك ضياع للوقت وللجهد؛ وأنت لا تستحقين ذلك…

 

قاومي المجتمع الأبيسي الذي يفرض عليك سيطرته. اقتلي الأب كما يقول الفلاسفة. واجهي السلط التي تحاول أن تقصقص جناحيك الصغيرين لأنها تخاف، إن أنت طِرْت، أن تطيري بعيدا… اصنعي أحلامك وابنِها حُلما حلما.

 

 

 

لا للمساواة…

 

لا تضيعي وقتك خلف خطاب المساواة بين الرجل والمرأة. هذا مجرد هراء. لا تبحثي عن المساواة مع الرجل. ابحثي عن ذاتك. لا تطالبي بحقوقك كامرأة، بل عيشيها. عيشي أنوثتك وعيشي حريتك وعيشي جمالك وأنت تتدفقين بالحياة. عيشي حقوقك ولا تطالبي بها. مازلت أذكر أسئلتك الصغيرة وتخوفاتك وانفعالاتك وأنت تثورين ضد كل ما / من يعتبرك كائنا دونيا. أبتسم لثوراتك الجنونية ولحماسك المتدفق. تتوالى الصور أمام عيني وأنا أبتسم، فخورة بحماسك الشقي. سيأتي يوم تفهمين فيه أن حريتك لن تتأتى من حرب تخوضينها ضد الرجل. سيأتي يوم تفهمين فيه أن الحقوق لا تُمنح بل تُنتزع، كل يوم، كل لحظة. لا تطلبي حريتك من أحد. لا تستجديها. عيشيها كل يوم. عيشيها في روحك وفي قلبك وفي جسدك. كوني متألقة لكي تكوني سعيدة. كوني متناسقة مع ذاتك ومع تطلعاتك لكي تكوني سعيدة.

 

لا تخافي جسدك أيتها الطفلة الشقية المجنونة. استمعي إليه واستمتعي به وحاوريه. جسدك خائف من كل القيود التي تحيط بك. جسدك يرتعش من كل العيون المتوجهة إليه ومن بنادق الأخلاق ورشاشات الخطابات المحافظة. اصرخي في وجه كل هؤلاء بأن جسدك مِلكٌ لك وحدك؛ بأنك ولدت ومعك شهادة ملكية تعطيك حق التصرف فيه إلى الأبد. قولي لهم بأن لا حق لهم عليك ولا عليه.

 

لست أفهم كيف يريدون لجسدك الصغير أن يكون حامي الشرف. لست أفهم لماذا عليك أن تخنقي حريته لكي تثبتي فحولتهم. لست أفهم لماذا يُحملون جسدك الصغير كل هذه المسؤولية الكبيرة.

 

اعطي لنفسك الحق في الخطأ. من أخطائي الصغيرة والكبيرة تعلمتُ يا صغيرتي. لا تحاولي أن تكوني امرأة متكاملة، كما يريدونك. كوني أنت فقط، بضعفك، بحبك، بدموعك، برغابتك، بأحلامك، بتناقضاتك، بهواجسك، بتخوفاتك، بتطلعاتك الصغيرة وثوراتك المجنونة. لكي تكوني أنت، عليك أن تستمعي إلى ذاتك جيدا. لا تخنقي كل تلك الأسئلة التي أراها تتوالد في أعماقك. لا تؤمني بكل الحقائق الأكيدة التي سيحاولون فرضها عليك. قد يكونون محقين بالفعل؛ لكنك أبدا لن تكوني متأكدة، تماما كما أنا لست متأكدة. ابحثي عن حقائقك الخاصة وعن معتقداتك وقناعاتك. ابحثي عن ذاتك بمفردك. كل شيء قابل لأن يكون موضع تساؤل. كل شيء. لا تقبلي الحقائق الجاهزة. لا تقبلي لغة المُسَلَّمات. زعزعي القناعات الراسخة وفجري المسكوت عنه وانفجري في وجوههم. كل شيء قابل للمراجعة يا صغيرتي. تذكرين حين قلت لك ذات زمن: “لا شيء نهائي، إلا الموت”؟ هكذا قدرك أيتها الطفلة الشقية، أن تقضي حياتك وسط آلاف التساؤلات، حتى تعثري على حقيقتك.

 

 

 

وأنت…؟

 

أثور، أغضب، أكاد أنفجر حين أسمع الخطاب الذي يُحمل مسؤولية كل الهزائم وكل الانكسارات وكل علامات الفشل للآخر. أمريكا وإسرائيل والمشاكل الأسرية والحكومة والفقر والجهل والأمية والرشوة… واللائحة طويلة. يضحكني أن الكثيرين من بين أبناء هذا الوطن يتصورون بأن شغل أمريكا الشاغل هو القضاء على قيمنا الحميدة. يضحكني أن يرى الكثيرون من المحيطين بي الخطر الصهيوني في كل شيء، حتى في ثمن رغيف الخبز الذي ارتفع وفي فشل طفل صغير في الامتحانات وفي تساقط المطر وارتفاع درجة الحرارة واكتظاظ الأسواق وعلاقات الحب التي تفشل وانهيار منزل قديم…

 

هناك فصيل آخر من مواطني هذا البلد السعيد يُرجعون فشلهم إلى جهل الوالدين وإلى الفقر والمنتخَبين الذين لا يقومون بواجبهم وغياب الديمقراطية وتفشي الفساد.

 

صغيرتي، لن أكذب عليك وأقول إن كل هذا مجرد هراء أو اتهامات باطلة. لن أبيعك وهما لا أؤمن به. يحزنني، صدقيني، ويحز في نفسي أن أعترف بأن جزءا لا بأس به من رجالات السياسة في هذا البلد السعيد غارقون في الوحل إلى شاشياتهم. أشعر بالفعل بغضب شديد حين تواجهني قوانين أنتجها زمن قديم ومازالت تُفرض علي فرضا. أغضب حين أرى كل الأخطاء التي تُرتكب باسمنا والتي يمكن تفاديها. أنفعل بشدة حين أفكر في كل القرارات الشجاعة التي كان يُمكن أن تُتخذ، دون أن يحدث ذلك. أحزن حين أرى البؤس المحيط بي. أشعر بالإحباط أحيانا إزاء قرارات بليدة أرى أنه كان من الممكن تفاديها. لكني أيضا أؤمن بأن هناك أشياء جميلة تتحقق في هذا البلد الذي أحبه حتى النخاع. هناك منتخبون ووزراء ومسيرون يؤمنون حقا بما يفعلون، يشتغلون بصدق ويكافحون. قد يخطئون، لكنهم يحققون أشياء جميلة ويضعون اللبنات الواحدة خلف الأخرى. هناك إحباطات كثيرة تغضبني، لكن أشياء كثيرة تدعوني إلى الأمل.

 

لا أريدك أن تخدري نفسك بآمال زائفة، ولا أن تحبطي أحلامك بيأس لا أراه مبرَّرا. كوني جزءا من الغد الذي تحلمين به. لا تحملي مسؤولية قدرك لطرف آخر، كيفما كان هذا الآخر. لا تتكلي على أشياء قد تأتي أو لا تأتي. قد يخطئ الآباء وقد يبخل الحظ وقد تقهرنا الفوضى المحيطة بنا، لكننا نملك وحدنا مسؤولية قراراتنا.

 

أفكر أحيانا بشكل تبسيطي بليد: لنفترض أن هناك مجموعة من القوى (الحكومة، المنتخَبون، أمريكا…) اجتمعت وقررت أن تخطط خصيصا من أجل تعطيل أحلامنا. شخصيا، لا أرى أمامي هنا إلا اختيارين: إما أن أقضي وقتي مندِّدة بهذا الحيف، وإما أن أتجاوزه. ما رأيك؟ ما الذي تختارين؟ ماذا سيكون قرارك؟ أنا إنسانة متفائلة بطبعي ولدي رغبة مجنونة في أن أسير إلى الأمام وأن لا أندب الحظ العاثر. أريدك هكذا يا صغيرتي. لا تستسلمي للغة الخوف والقدر والمكتوب. أريدك أن تؤمني بأن مصيرك، أو على الأقل جزءا مهما منه، بين يديك. تحملي مسؤولياتك. ابحثي. اعملي. شاغبي. أحبي. انطلقي… قد لا تنجحين، لكني في كل هذا أسعى إلى شيء واحد: في إحدى سنوات العمر الآتي، أريدك أن تنظري إلى الخلف بابتسامة حنون وأنت راضية عن طريق قطعتها عن اختيار ورضى وقناعة. طريق لم يُفرض عليك بل اخترته بنفسك. طريق لم يتخلله الانتظار بقدر ما تغذى بالاختيار. قد لا تحققين كل أحلامك، لكنك ستكونين قد فعلت كل شيء من أجل ذلك. ما أروع أن نجاهد من أجل تحقيق أحلامنا. إن تحققت، نعانق الرضى، وإن لم تتحقق، نمسح جبيننا ونحن نقول: “حاولت ولم أنجح”. ما أبشع أن تمر السنون لنكتشف، متأخرين، أننا أضعناها في الانتظار. قد تكون لدينا ساعتها الجرأة والشجاعة الكافيتان لنعترف بمسؤولياتنا؛ وقد نعلق، مرة أخرى، فشلنا على شماعات الآخرين من جديد، لتستمر الدوامة…

 

هذا طبعا لا يمنعنا من انتقاد كل ما لا يسير على ما يرام، ومن معاقبة كل من يعطل مسيرتنا ومحاسبته. لكن مشكلتنا أننا اتكاليون، خنوعون، نكتفي بالنقاشات الجوفاء. لم أسمع يوما عن سكان منطقة ما قرروا أن ينتظموا ليحاسبوا منتخَبيهم بشكل فعلي. كلنا نكتفي بالنقاشات الجوفاء فيما بيننا. كلنا نتحدث بشكل تعميمي عن أولئك الذين نصوت من أجلهم والذين لا يقومون بواجبهم، وعن المرتشين والمفسدين والانتهازيين. في “أحسن الأحوال”، نختار أن لا نصوت “عقابا لهم”. لدي الرغبة يا صغيرتي في أن أقول لك بأن هذا الغباء يضحكني؛ لكني لا أستطيع، لأنه في الواقع يحزنني. الذي يحدث في النهاية أننا لا نصوت بالفعل، لأننا غير راضين عن مستوى تسيير مصائرنا من طرف أناس لم نعد نثق بهم. الذي يحدث أيضا هو أننا، شئنا أم أبينا، لا نستطيع أن نستغني عن هذه المؤسسات، وإلا انقلبنا إلى ديكتاتورية نحن في غنى عنها. هكذا، وشئنا أم أبينا مرة أخرى، سيتم التصويت، ولو بالنزر اليسير، على أشخاص ما، سيُسيّرون حياتنا لفترة من الزمن رغم أنوفنا… ومن جديد، سننتقدهم. سنقول لبعضنا البعض: “هل رأيت؟ ألم أقل لك بأنه لا فائدة من التصويت؟ إنهم هنا لقضاء مصالحهم الشخصية لا غير”. هناك خلل ما في هذه المعادلة يا صغيرتي. خلل نصنعه بإرادتنا وباتكاليتنا وبرفضنا أخذ المبادرة. جميل جدا أن ننتقد. جميل جدا أن نعبر عن آرائنا لأننا هكذا نشير إلى مكامن الخلل. لكن الأجمل والأنجع، يا صغيرتي، أن لا نكتفي بالانتقاد إذا كانت لدينا الرغبة الفعلية في تغيير الأشياء بسرعة، وفي التحكم في مصائرنا.

 

أخاف أن تنتظري الكثير من الآخرين وأن يضيع عمرك في الانتظار. لذلك، لا أنصحك بالانتظار. لا تنتظري أن تتغير الأوضاع لكي تواكبي التغيير. كوني عنصرا فاعلا في هذا التغيير، إن لم يكن من أجل المغرب، فلتفعلي ذلك من أجلك أنت. كوني أنانية إن اقتضى الأمر. اصرخي في وجه كل من تَرَيْنهم متقاعسين: “كنت أود أن تقوموا بمهامكم على أحسن وجه. كنت أود أن تصنعوا من أجلنا جميعا غدا أفضل… لكنكم تتقاعسون لكي تحبطونا؛ ولن تحبطونا”. صغيرتي، قد ترين أني مغرقة في التفاؤل، لكني أؤمن بأن هذا خياري الوحيد؛ وإلا فماذا يتبقي لي: أن أنتظر تغييرا قد يأتي أو لا يأتي. أن أرهن حياتي وأحلامي ومستقبلي بتغيير أنتظره من الآخرين. ماذا تريدين مني إذن: أن أظل مكتوفة الأيدي بانتظار منتخَبين أكثر صدقا وحكومة أكثر فعالية ومؤسسات أكثر ديمقراطية ومجتمع أكثر وعيا وقوانين أكثر حداثة وأكثر مُلاءمة للواقع؟ أرفض هذا… أرفض هذا يا صغيرتي، لأنه ليس لدي وقت أضيعه.

 

ثم، ما هذا التناقض الذي نغرق فيه وما هذا النفاق الذي نعيش داخله صباح مساء؟ لماذا نطالب الآخر بديمقراطية وبشفافية وبنزاهة لا نمارسها في حياتنا اليومية؟ المبادئ العظيمة لا تنطبق فقط على المؤسسات الكبرى بل هي سلوكات نمارسها بشكل يومي. تذكرين حين كان الوالد العزيز يطفئ التلفزيون ليلا حين يقرر أن ينام؟ أبتسم اليوم حين أسمعه يتحدث عن الديمقراطية، لأنه لم يُجرِ يوما استفتاء ليسألنا إن كنا بعد نرغب في مشاهدة التلفزيون أم لا. تذكرين ذلك القريب الذي ظل يمنح شهادات العمل للأقارب والأصدقاء حتى بعد إفلاس شركته؟ أكاد أنقض عليه اليوم حين يتحدث عن استغلال النفوذ والسلطات، لأنه مازال يستغل السلطة الوحيدة التي تتوفر لديه: وثائق شركة أفلست منذ عقد من الزمن.

 

هذا هو جوهر مشكلتنا: إننا لا نفهم أن الديمقراطية والحداثة والتقدم والنزاهة والحضارة والشفافية وغيرها سلوكات يومية نمارسها في حياتنا، قبل أن تكون خطابات رنانة نستعملها في أحاديثنا لنكرس أنفسنا في دور الضحية.

 

أخاف عليك يا صغيرتي أن تقعي في فخ هذه التناقضات. أخاف أن تغرقي في الانتقادات الشعبوية التي قد تضيع عليك عمرا من الزمن. أريدك حالمة رومانسية جميلة متدفقة بالأمل وبالرغبة في الاستمرار…

 

لن تكون الأمور سهلة. أعرف ذلك. أخاف عليك من الدموع التي ستعتصر قلبك الصغير عما قريب. أخاف عليك من الإحباطات التي ستتوالى عليك من كل مكان. أخاف عليك من الظلم الذي سيلحق بك. لكني أعرف أنك لن تستسلمي، لأنك تؤمنين بأن قدرك بين يديك ولأنك سترفضين أن يبنيه غيرك.

 

 

 

الحور العين

 

لا أعرف ما الذي يذكرني اليوم بالأحداث الإرهابية التي هزت مدينتنا البيضاء لثلاث مرات. أفكر كثيرا في هؤلاء الشباب. أحاول أن أفهم الحالة النفسية التي يعيشها شخص وهو يعلم أنه بعد لحظات، سيصبح أشلاء ممزقة. كيف يمكن أن نصل إلى هذا الحد من الإحباط؟ كيف يصبح الموت ملاذا؟ لأني إنسانة متشبثة بالحياة، لا يمكنني إلا أن أحزن بعمق وأنا أفكر في هؤلاء الشباب. أشفق عليهم من القهر الذي أوصلهم إلى الرغبة في الموت بحثا عن جنة افتقدوها. هل تعرفين معنى أن نستيقظ في الصباح ونخرج من بيوتنا لنواجه الموت يأسا؟ كيف وصلنا إلى هذا الحد؟ ما الذي أوصلنا إلى هذا الباب المسدود؟ كيف غلف اليأس عقولا صغيرة يُفترض أن تتدفق بالحياة وأن تضج بالأمل؟ أفكر فيهم من جديد وأحس برغبة في البكاء.

 

لست أتفق مع المقاربة التي نهجتها الدولة في “معالجة” هذا الملف. حين كنت طفلة، كتب أحد المعلمين على حائط مدرستي: “الوقاية خير من العلاج”. لم أكن حينها أفهم هذه العبارة. كنت أربطها بالصحة. بالجسد. بالوقاية من الأمراض. “درهم وقاية خير من 1000 درهم للعلاج”. ساعتها كنا صغارا وفقراء، وكانت الألف درهم تبدو لنا بعيدة، بعيدة… اليوم، أؤمن بشدة بأن الوقاية خير من العلاج. المؤسسات الأمنية اختارت مقاربة عنيفة لـ”محاربة الإرهاب”. لم تفهم أن الخطر أكبر من ذلك. لم تفهم أن اليأس قتل هؤلاء الشباب ألف مرة قبل أن تقتلهم القنابل. لم تفهم أن الوقاية خير من العلاج.

 

أقنعوهم بأن هناك جنة واعدة وحور عين ينتظرنهم في مكان ما من السماء، فتخلوا عن حقهم المشروع في الحياة بطواعية وعن طيب خاطر. كم يحزنني هذا يا صغيرتي. هؤلاء بدورهم شباب انتظروا كل شيء من الآخرين. من المجتمع ومن الدولة ومن المؤسسات المُسيرة. انتظروا حلما جميلا لم يُمنح لهم، فعلقوا آمالهم على جنة موعودة. لكني أؤمن في نفس الوقت بأن المقاربة الأمنية التي اختارتها الدولة للتصدي للخطر الذي يمثلونه لا تكفي.

 

الحب هو الحل. التشبث بالحياة هو الحل. الفن هو الحل. الرياضة هي الحل. المتعة، بكل معانيها، هي الحل. المستقبل هو الحل. الأمل هو الحل. الجمال هو الحل.

 

لماذا علينا أن نخاف كل هذا؟ لماذا علينا أن نغطي أجسادنا ونربي لِحانا ونخاف بعضنا، كي ندخل الجنة؟ لماذا علينا أن نقتل المستقبل ونخنق الحياة وندفن أنفسنا كي ندخل الجنة؟

 

 

 

غدا…

 

صغيرتي،

 

استمعي إلى ضجيج الحياة المحيط بك… لا تهربي من الخفافيش، بل واجهيها بحقك في الحياة وفي الحب وفي الجمال وفي المتعة. لماذا علينا أن نقتل حقنا في المتعة؟ لماذا نعتبرها خطأ وجريمة؟

 

أؤمن بالعمل وبالمثابرة، لأنهما سبيل النجاح. أؤمن بحقنا في غد أفضل وفي مسؤوليتنا في بنائه. لكني أؤمن أيضا بحقي في المتعة: متعة الروح ومتعة الجسد. المتعة بكل معانيها: على خشبة مسرح، خلف أنين كمانٍ حزين، وسط ملعب أخضر، على سرير دافئ، في ابتسامة بيت شعري… هذه هي المقاربة التي أؤمن بها. المقاربة التي تعطي بديلا حقيقيا. يقولون لي إن كل هذا مجرد ترف. لست أؤمن بذلك. المتعة هي التي تعطينا الأمل في الحياة والرغبة في بناء الغد. هذه هي الثنائية التي أتنفس من خلالها: المثابرة والتمتع بالحياة، بكل ما تحمله.

 

أرى التردد في عينيك المتسائلتين حين تحار في ذهنك الأسئلة. تبحثين عن أمثلة حية أمامك تجسد هذه الثنائية أمام ناظريك. أمثلة تعطيك الأمل في مستقبل أكثر إشراقا. أمثلة تبين لك أن الغد الأفضل ممكن وأن السُلّم الاجتماعي ممكن وأن الخلاص ممكن وأن القنابل والانفجارات لا تحصد إلا الموت.

 

أعتقد أن هذا ما ينقصنا. نحتاج إلى تقديم أمثلة حية على النجاح. أن نتجاوز مثال “الشلاهبي” الذي نجح بفعل الغش و”القوالب”. أن نبرز كل تلك الأمثلة -وهي كثيرة تحت سماء “أجمل بلد في العالم”- التي انطلقت من لا شيء، لتحقق أشياء كثيرة، لكن دون أن نغرق في البروباڭاندا العمياء التي تفقد في النهاية كل مصداقية. نحتاج إلى صنع حلم مغربي حقيقي نقتدي به لكي نتشبث بالأمل.

 

ماذا يرى الشباب المغربي اليوم؟ المهاجر الذي يعود كل صيف على صهوة سيارته الجميلة، متأبطا ذراع شقراء، وفي حقيبته حزمة من الأورو يوزعها بدون حساب. في الضفة الأخرى، يرى أمثلة حية لأناس نجحوا لأنهم غشوا. يخيفني يا صغيرتي أن الغش أصبح قيمة يفتخر بها الكثيرون. وسيلة أكيدة ومضمونة للنجاح. عملة رائجة. كيف تريدين التغيير مادمنا لم نزعزع بعد هذه القناعة؟

 

حين أرى الكم الهائل من الحياة الذي تخلقه مهرجانات هذا البلد، أقتنع بأننا شعب يحب الحياة ويرفض الموت. تستفزني خطابات التخليق التي تعتقد بأن الموسيقى ستخنق قيمنا وبأن الرقص سيقضي على ما تبقى من حضارتنا. أصرخ في وجههم: “الكبت هو الذي سيخنق حضارتنا”.

 

أعتقد أن هذا ما ينقصنا. أن نخلق لأنفسنا عوالم جديدة تغذي آفاقنا. أن نحدد ما نريده لأنفسنا ولهذا البلد وأن نسير في اتجاه بنائه بشكل فعلي. أن نفهم أن الثقافة والفن ليسا ترفا ولا مجونا، بل حاجة أساسية تغذي الروح وتقاوم الفراغ. فراغ الوقت وفراغ الروح. فراغ قد ينتج الإرهاب.

 

باختصار، هذا إذن ما نحتاجه اليوم: أن نعرف ماذا نريد، أفرادا ومؤسسات، وأن نبحث معا عن الأجوبة.

 

مرة أخرى أقول لك -لأن هذا يبدو لي مهما-: لا تخافي الحب يا صغيرتي. لا تخافي جسدك وقلبك حين يخاطبانك. لا تخجلي من رغبتك في الاستمتاع بالحياة، لأن ذلك حقك. سيقولون لك إن ذلك عيبا. لا تسمعي صوتهم. اصنعي قيمك التي ستؤمنين بها والتي ستحميك من نظراتهم. آمني بحريتك وبحقك في الاختلاف. زعزعي الثوابت والحقائق المطلقة.

 

أرى السؤال القديم-الجديد في عينيك، وأنت محقة. حريتك لا تقتضي فرض اختياراتك على الآخرين. لكن الأهم أن لا تتركي اختيارات الآخرين تقود حياتك. امنحي نفسك الحق في الاختلاف، طالما الأمر يتعلق بك أنت.

 

لا أعطي نفسي الحق في الحكم على الآخرين ولا أريدك أن تحكمي على الآخرين. ليس لديك الحق في ذلك.

 

هناك شيء آخر لا أريدك أن تنسيه: ليست لديك إلا حياة واحدة. لا تمنحيها للآخرين. لا تحاولي إرضاء مجتمع يسعى إلى تقييدك كل يوم أكثر. لا تهبيه متعة الرجوع بك إلى الوراء. انظري إلى الغد وعيشي الحاضر بكل ما يحمله إليك. تأملي ذاتك. وحين تصلين إلى مفترق طرق يحيرك، حددي معيارا واحدا لاختيارك، كيفما كانت طبيعة هذا الاختيار: “ماذا تريدين أنت؟”. ليس هناك اختيار يمكن اعتباره الأفضل بشكل مطلق؛ هناك فقط اختيارات تناسب وتلائم تطلعاتنا بشكل أفضل. لا تختاري بالرجوع أو بالاعتماد على مرجعيات الآخرين. لا تختاري شيئا بناء على معايير لا تشبهك.

 

لا تستلمي للأجراس التي تدق على باب غرفتك منذ زمن بعيد. اسمعي صوت قلبك. سائلي ذاتك. ابحثي بنفسك عن الأجوبة. زعزعي القناعات الراسخة. بالتأكيد، لن تجدي جوابا صريحا واضحا أكيدا. ستجدين العديد من الأجوبة. لكن هذا هو الطريق الأصح لكي تبني أجوبتك بنفسك، بعيدا عن كل تأثير.

 

لا أريد أن يهرب الزمن من بين يديك يا صغيرتي. لا أريدك أن تفقدي الأمل في الغد. لا أريدك أن تفقدي الأمل في وطنك. لا أريدك أن تيأسي. لا أريدك أن تستسلمي لخطاب التيئيس. لا أريد للبؤس أن يغطيك. لا أريد لليأس أن يلتهم ابتساماتك الطفولية. لا أريد للمتعارف عليه والسائد والمرغوب فيه أن يلتهم خصوصياتك وشغبك الطفولي اللذيذ. لا أريدك أن تقفلي على نفسك الأبواب، مؤمنة بخطاب واحد قد يكون الحقيقة وقد لا يكون. وكل هذا اليوم بين يديك.

 

تنفسي الحب والحرية. آمني بقيمة العمل والمثابرة. قاومي التيار. اختاري أن تقرري مصيرك بنفسك. لا تخجلي من جسدك ومن رغباتك. عيشي الحياة بكل ما تحمله إليك. انخرطي في كل التجارب حتى لو أدى بك بعضها إلى السقوط. ليس هناك ما هو أحلى من القيام بعد السقوط. ليس هناك ما هو أحلى من الابتسامة التي تأتي بعد دموع إحباط وحزن وفشل.

 

لا تمنحي لنفسك حقوقا تحرمين الآخرين منها. لا تكوني انتقائية في اختيار مبادئك. ثوري ضد القيم التقليدية البالية. امنحي لنفسك الحق في الاختلاف واحترمي حق الآخر في الاختلاف. لا تنسي أنك لا تملكين الحقيقة المطلقة؛ ولا تنسي الأهم: وحده الموت نهائي. كل ما تبقى، فهو قابل للنقاش.

 

هكذا فقط قد تكونين متألقة…

قصيدة قصيرة جدا

juillet 30th, 2009

لا تُـتـعِـبــي نفسكِ يا غالية

 

في البحث عن تجاربي الماضية

 

فَكُلُّ نساءِ العالمِ في كَفَّةٍ

 

وأنتِ يا أميرتي

 

في الكفة الثانية

 

نزار قباني

 

الباتول الفضولية 18

juillet 30th, 2009

الباتول حسّات براسها غوفلات ورجليها ولاّو بحال الرجلين ديال شي قرد. لم تعد ترتدي الصايات بسبب ذلك. لهذا دارت فيها النفس ومشات للصالون لتقوم بعملية إزالة الشعر بلاسير. قبل أن تصل الباتول عند المزينة، شدّاتها الخلعة. بعد وصولها، خلعت بنطلونها وتمددت على السرير المخصص للعملية وهي تقفقف من الخلعة. حين تقوم المزينة بطلاء لاسير ساخنا على رجليها، تحس الباتول بأن روحها غادي تخرج منها فتتأوه وخّا باقي ما وقع والو. تضع المزينة ورقا أبيضا فوق لاسير وتشرع في تدليكه بأصابعها ثم تجره بشدة، فتصرخ الباتول بربي اللي خلقها وهي تقول: “سعدات الرجال مهنّيِين من لاسير”. تنظر إلى رجليها، واحدة مشعرة والأخرى ملساء جميلة فتتشجع وتستعد للمقاومة. المشكلة أن مزينتها ثرثارة لا تترك لها مجالا للتركيز مع شلالات الألم التي تعتصرها. حكت لها عن أحد أفراد عائلتها الذي سيتزوج من فتاة تقيم في بلڨيدير.

-         “كان كيشوفها فالتّران. كيديرو لانافيت بجوج. بانت ليه معقولة وما كتهضر مع حد ودوا معاها على الزواج. مللي مشينا عند عائلتها لقيناهم ناس عاديين وهو لاباس عليه وعندو ڨيلا فأكادير. سعداتها. ولكن مابغاش يخرج يقلّب معاها على الدار حتى يضربو الصداق. هو ما عندوش مع داك الشي ديال الحرام والزنا. يلا كانت مزيانة راه تعيش مبرّعة معاه. تبارك الله قرا ففرنسا وخدام مزيان. كان كيڭول لمّو تقلب ليه على شي بنت الناس ولكن مالقاتش ليه. بنات العائلة كلهم تزوجو”.

دابا هادو غادي يتزوجو وهوما باقي عمرهم ماخرجو مع بعضياتهم ماتناقشو ما حتى حاجة أخرى؟ المهم هو عندو الڨيلا وخدام مزيان وهي داخلة سوق راسها؛ وكلشي فرحان وناشط، عائلة العروسة وعائلة العريس… آش غادي تڭول الباتول لهاد السيدة؟ الزواج شراكة وخاصهم يتأكدو أنهم مفاهمين؟ الحاصول، يدبرو لراسهم. هي غادي تدير لاسير وتقابل غير الوجع ديالها. آو، يولّي الوجع فالرجلين وفالراس؟ مع كل جرة، تنتف المزينة شعيرات رجل الباتول وجزءًا من أنفاسها. أصعب مرحلة هي لي بور دو مايو. غير وصلاتهم النوبة والباتول شدّاتها الخلعة. ولكن باش تولّي زوينة خاصْها تصبر… والمزينة مازال ما بغات تسكت. عاودات ليها على شي زبونة أخرى غير كتوصل ليها لي بو دو مايو كتڭول ليها ردّي البال راني باقا عزبة عنداك تجرّي ليا الجلدة. في البداية ظنت الباتول أن الأمر يتعلق بنكتة أو بمزحة من الشابة اتجاه المزينة، ولكن القضية بصّح… الزبونة كانت تعتقد أن عملية شد الجلد خلال إزالة الشعر قد تفقدها بكارتها. هادا ماشي الجهل بعينيه، وبنيفو ووْدنيه حتى هوما؟ الباتول كان لها دائما موقف واضح من البكارة: يلا طلبناها من البنت، خاص نطلبوها من الراجل حتى هو. ثم أن حفاظ الفتاة على غشاء بكارتها لا يعني بالضرورة أنها عذراء ديال بصح، وكلنا نعرف الممارسات الخفية التي تجعل الفتاة تحافظ على الغشاء المذكور وهي مدوّزة العجب. الأمر يخفي مغالطة كبيرة مع الذات ومع الآخر، فالمرأة تكذب على نفسها وعلى زوج المستقبل مللي “كتدير كلشي من الفوق”، لتوهمه مستقبلا بأنها عذراء شريفة عفيفة. الباتول ترى أن في الأمر خيانة من طرف المرأة، مع سبق الإصرار والترصد. والراجل حتى هو كيعجبو يكذب على راسو حين يمارس الجنس بشكل أو بآخر مع فتيات يفضلن الاحتفاظ “بأغلى ما لديهن” لزوج المستقبل، ثم يصرون على الزواج من فتاة عذراء. شكون اللي ضمن ليك أن مراتك مادارتش بحال صحاباتك ديال الماضي؟ حين تحدثت الباتول يوما في الموضوع مع أحد زملائها، قال لها: “المهم أنني مانشوفش الدليل على الماضي ديالها. وعلى الأقل كنكون عارف بأن حتى واحد ماقاس داك البلاصة”. ياااع! زوجها السابق قال لها في الموضوع: “المرا بحال سروال الدجين، شي كيبغيه متقوب وشي لا”. ياااع مكرر! “بالصحة والراحة”. عملية النتف انتهت. الباتول ماسخاتش تلبس سروالها حيت رجليها عجبوها بزاف…  

 

الباتول الفضولية 17

juillet 29th, 2009

الباتول بدات كتولي مهمة. كلفها مديرها الجديد بالقيام بمهمة في مدينة الرباط فقضت أسبوعها وهي تقول لكل من يقابلها بأنها غادية للرباط “أون ميسيون”[1]. لم يسبق للباتول أن سافرت خارج الدار البيضاء إلا لزيارة العائلة. طبيعي جدا أن تحس براسها شي شوية أمام هذا القرار المديري الهام. ذهبت الباتول عند الكوافور وخرجت للمعاريف لاقتناء ملابس جديدة بهدف الاستعداد الجدي للمهمة الخارجية. واشنو. المدير اختارها شخصيا لهذه المهمة وعليها أن تكون في مستوى الحدث. هذه أول مرة تحس فيها الباتول بأهميتها المهنية وبجدوى المجهودات الجبارة التي تقوم بها. حين طلبت منها والدتها بأن تعطيها بعض المال لمساعدتها في شراء الطلامط وحوايج العيد لخوتها، ردت الباتول بأن آخر ما تفكر فيه اليوم هو الطلامط وحوايج العيد، لأن التزاماتها المهنية تشغل بالها إلى أقصى حد. أخوها العربي، الذي كان يعارض سفرها، صرخ في وجه والدته بأن هاد البنت خرجو رجليها على الشواري. ياه على عالم ديال البهايم! واش هي مسافرة أون ميسيون وهو كيدوي على الشواري؟ ومن الفوق، الميسيون ديال الباتول كاين فالميڭامول. التزحلق على الجليد والبولينڭ والمحلات التجارية الفخمة… العربي عمّرو ما شاف هاد الشي، لذلك فهو لا يحسن الحديث إلا عن الشواري والبهايم. حديثه الاستراتيجي هذه الأيام عن مصادفة عيد المولد لعيد ميلاد الباتول، معتبرا في ذلك رمزية مهمة عليها أن تأخذها بعين الاعتبار باش تشد شوية الطريق. وكأن الباتول كانت تقضي عيد ميلادها في كازينوهات لاس ڨيڭاس! لكن العربي مصر على التطرق للموضوع وكأن الأمر يتعلق بحدث هام. راه ما وقع والو أولدي. كل ما في الأمر أن الباتول ستأكل يوم عيد ميلادها طبق “البيبي” الذي تعودت الوالدة الكريمة على تحضيره في هذه المناسبة، لكي يُعوّض الحلوى المحرمة منذ عيد ميلادها العاشر. الأمر الوحيد الذي يسعد الباتول في هذه المصادفة هو أن أصدقاءها سيبعثون لها إيسيميسا واحدا ليباركوا فيه المولدين. الجميل في الأمر أن هذه الإيسيميسات ستكون، استثنائيا، مُشخّصة؛ ماشي إيسيميسات بالجملة، تحمل توقيع صاحبها في النهاية، وفارغة من كل شحنة عاطفية. حين انتهت الباتول من تأدية مهمتها الرباطية، قررت أن تقضي بعض الوقت متجولة بين أرجاء الميڭامول، تحاول إيهام نفسها بأنها تنتمي إلى هذا العالم. عالم كله أضواء وشموع ونجوم. الباتول غادية تتعقد. زوجها السابق كان يقول بأنها ما راضياش بالواقع وباغيا تطير. وعلاش لا؟ نحن ثقافة تنبذ الطموح. عليك أن تبقى في الحضيض لكي تنال رضى وإعجاب الآخرين. زوجها السابق لا يعلم أنها أصبحت امرأة مهمة تسافر خارج الدار البيضاء في مهمات رسمية. لو كانا بعد متزوجين لرفض سفرها ولرفض أساس عملها الجديد؛ ولو كانا بعد متزوجين لكان موضوع الفترة هو واش غادي يدوزو العيد فدارهم ولا عند مّو. هو هكذا قدر الباتول؛ أن ترى التعاسة حتى في أروع أماكن الكون. القهر يعشقها ويلتصق التصاقا بجلايلها، حتى حين تكون هذه الجلايل عبارة عن بذلة معاريفية كلفتها نصف أجرتها الشهرية. كانت الباتول تتجول داخل ممرات الميكامول حين رأت منظرا يقشعر له البدن بلغة الأدباء. بلغة الباتول، فقد جاءتها التبوريشة. لم تكن الطفلة تتجاوز العاشرة من عمرها على أكثر تقدير. وجه طفولي بريء يختفي خلف درة معقودة على أعلى الرأس وطابلية وصندالة ميكا. ما أبشع الفقر وما أتعس الباتول! هي لا تحتمل مثل هذه المشاهد. لا تحتمل الصور التي تذكرها بأنها تنتمي إلى عقليات متخلفة تعبر عن سموها من خلال قهر الآخرين! انتظرت الباتول خروج امرأة أنيقة من المحل التجاري. توجهت هذه المرأة اتجاه الطفلة وسلمتها أكياسها فاستوقفتها الباتول: “ماشي حشومة عليك تخدّمي دريّة صغيرة. ما عندك لا قلب لا روح لا مشاعر”. نظرت إليها المرأة بنص عين وتابعت طريقها متبوعة بالطفلة التي رأت الباتول في عينيها ابتسامة قهر وامتنان. هناك كائنات أخرى تستحق الذبح، ماشي غير بيبي ديال عيد المولد!


[1] En mission

الباتول الفضولية 16

juillet 29th, 2009

لكي تخرج الباتول من حالة الاكتئاب التي ترافقها منذ مدة، قررت أن تسافر بعض الشيء لتريح أعصابها المتوترة وتجدد أفكارها المبعثرة. السفر متعة والاختلاء بالذات يبعث في النفس نشوة لا تُضاهى. الابتعاد عن عالمها أصبح هاجسها الوحيد. وفين غادي تمشي؟ باريس! تلك المدينة التي فتنت أحلامها منذ الصغر ودغدغت فيها كل الحواس والأفكار والمشاعر. باريس مدينة الجمال والأضواء والحب والحرية والانطلاق؛ هكذا فقط تتصورها. كان أمام الباتول مشكلتان اثنتان: أولهما تدبير المبلغ اللازم لرحلة كهذه، وثانيهما إقناع العائلة المحترمة بقرار السفر إلى الخارج لوحدها. الرباط وأصيلة كيدوّزوهم، ولكن باريس… العربي الذي يحلم بالحريڴ ليل نهار، لن يفهم ولن يتقبل أن تحصل الباتول على تأشيرة وأن تسافر إلى باريس للاستجمام وتغيير الجو. لكنها عنيدة، وهذا ليس كل شيء؛ فأروع ما في الباتول أن لها حدسا قويا وبوصلة حساسة ودقيقة تخبرها في الوقت المناسب بأنها قريبة جدا من القعر، من الانهيار الحقيقي والنهائي، من الانفجار. لذلك فهي مقتنعة بأهمية هذه الرحلة وستتحدى العالم من أجل إنجازها. الحصول على التأشيرة لم يكن أصعب المحطات، لكن إقناع الأسرة المحترمة كان أعنفها. “واش الدنيا سايبة؟ هانتي فأصيلة هانتي فالرباط هانتي فطنجة، ما كنڴولو والو. ولكن دابا فرنسا… بزاف زدتي فيه”. لم تعرف الباتول إذا كان العربي خائفا على سمعة العائلة (زعما داك الشي اللي غادي تديرو ففرنسا ما غاديش تديرو فالدار البيضاء ولاّ الرباط) أم غيورا لأنها ستعبر المتوسط بينما لا يستطيع. لكن الباتول امرأة غريبة؛ حين تصر على قضاء غرض ما، لا تنفعل ولا تغضب. تسكت وتترك العاصفة تمر، لكنها في آخر المطاف تفعل ما تشاء ولا أحد يعلق. لذلك ففي النهاية، العربي هو من أوصلها إلى المطار بنفسه وأوصاها بأن تشتري له سجائر من المنطقة الحرة في المطار. المطااااار…. هادي أول مرة الباتول غادي تدخل فيها للمطار. أواااه هاد الشي شحال واعر! بحال الميريكان (واخا عمّرها ما مشات للميريكان). كانت السمراء الجميلة منبهرة. هي لم تعرف في السابق غير محطة الكيران ولاد زيان، وأرقى ما شاهدته من بنيات تحتية كان محطات القطار في الرباط والدار البيضاء. حين كانت تمر أمام المحطة الجديدة في الوازيس، كانت تتوقف لتأخذ صورا أمامها منبهرة بروعتها. أما الآن وهي في المطار، فانبهارها بلا حدود. والدتها كانت تريد أن تبعث معها بعضا من الزيتون والبريوات وسلّو وزيت العود وخرقة ديال الحمام للعائلة في باريس. جاب الله رفضات، ما كون تحشمات هنايا ببوديزة ديال الزيت. عمّر شي واحد فعائلتها ما ركب فالطيارة، لذلك فقد كانت والدتها فخورة بها. خالتها نصحتها بأن تحرڴ وتبقى في باريس، بينما حذرها والدها من الفساد في أوروبا. العائلة اجتمعت عندهم للعشاء لأن الباتول ستسافر إلى فرنسا وستركب الطائرة. حدث عائلي حقيقي.  الباتول كانت تتصور أنها ستعطي تذكرتها لڴريسون الطائرة وأن شرطيا سيتأكد من تأشيرتها وسيدعها تركب الطائرة، لكنها فوجئت بالكم الهائل من شبابيك التسجيل وبمحطتين كبيرتين وعدد كبير من المقاهي والمطاعم والوكالات البنكية… زعما هاد الشي عندنا فالمغرب وماعطاوناش المونديال 2010؟ لابد أنها أمريكا أو إسرائيل، تريدان تحطيم آمال المغاربة. الْفْري شوپ بهرها. ما أروع أن يكون المرء في المغرب وأن يشتري بالأورو. كتحس براسك وصلتي لباريس دغيا. لكن الباتول كانت تنتظر اللحظة الحاسمة بنوع من التوجس والخوف: دخول الطائرة، فهي لم تعرف في السابق إلى طائرة حديقة الألعاب ياسمينة في وسط الدار البيضاء. تذكرت الباتول بمرح سكيتشات ڴاد المالح. حين حلقت الطائرة في السماء، أحست الباتول بأن الكثير من أحزانها سقط سهوا ليحلق فوق السحاب ويمطر دمعا في قلبها العطشان. ما أروع السفر! وحده يسعدها ووحده ينسيها الضياع والحزن والاكتئاب. باريس، انتظري الباتول ودعيها تغرق بين أحضانك…

 

الباتول الفضولية 15

juillet 29th, 2009

تعاني الباتول من حالة اكتئاب حقيقية. لا شيء في حياتها يعجبها ويعطيها الرغبة في الاستمرار. أصبحت تفكر بجدية في الحريڭ أو ربما في الانتحار. ماذا سيحدث لو انتحرت؟ لا شيء ربما. ستبكيها والدتها وستتناسل الإشاعات فيما بعد. “واقيلا انتاحرات حيت حاملة. لا را كانت كتبغي شي راجل وسمح فيها…”. حتى زميلها الجديد، حين رآها حزينة باكية في أحد الأيام، لم يتصور إلا أنها تبكي من أجل حبيب تخلى عنها. زعما مزعوطة فشي واحد وكتبكي عليه. كيف تفسر له بأنها حين تكون مزعوطة يرفرف قلبها سعادة في جميع الظروف؟ لا أحد يريد أن يفهم أن المسألة أعمق بكثير. الباتول تريد تغيير كل ما يحيط بها. كل ما يتعلق بحياتها. لا عملها أصبح يغريها ولا مقر سكناها ولا البلد ولا الأصدقاء. حتى أسرتها أصبحت تنرفزها. لا شيء أصبح قادرا على إسعادها. أصبحت تحس بالملل، برتابة قاتمة تخنق حياتها وأيامها ولياليها. تحتاج الباتول لشيء جديد يعطي طعما آخر لحياتها. تريد أن تغير كل شيء في مسارها. ليست لديها مشاكل محددة، اللهم تلك الأسئلة التي تتناسل في داخلها كالكوابيس المزعجة عن جدوى حياتها وماهيتها. كالكثيرين، كانت الباتول طوال سنوات عمرها السابقة، تغضب أحيانا وتفرح أحيانا أخرى. تنرفزها بعض المواقف حولها لكنها تستعيد هدوءها وتعاود اقتراف الحياة من جديد بنفس اللهفة وبنفس العشق وبنفس الرغبة في الاستمرار وفي التحدي. تقرر أحيانا أن تتوقف عن فضولها الزائد، لكنها تعود لعاداتها القديمة بنفس الشغف. لكن الأمر مختلف هذه المرة، فقد فقدت الباتول طعم الأشياء. لا شيء أصبح يسترعي اهتمامها. حتى الڭارديان الذي يتدخل في كل صغيرة وكبيرة بدون وجه حق؛ حتى ذلك الشاب المتعلم الذي يعتبر مخالفة قانون السير حقا من حقوقه لأنه “ماشي من حق الدولة تاخد 400 درهم لشي مواطن ما عندوش الفلوس”؛ حتى أولئك الذين يخافون من القُبل في الأفلام المغربية وكأن الحب والجنس لم يُخترعا لنا؛ حتى الدنيا التي قامت ولم تقعد لأن أحدهم ادعى بأن حفلا شعبيا راقصا كان في الحقيقة -حقيقته هو- حفل زواج لمثليين جنسيين، بالنڭافات والطريطور والجوق؛ حتى زميلها الذي يتدخل من غير حق في تسريحة شعرها وفي ماكياجها الذي يجده “معيق بزاف”؛ حتى ذلك الرجل الجميل الذي يتغزل بها منذ مدة… لا شيء من كل هذا أصبح اليوم يحركها.  الباتول متعبة ومرهقة. تريد أن تعود إلى طبيعتها. أن تعاود من جديد عمليات التبرڭيڭ والفضول والضحك من كل شيء، حتى من نفسها. تريد أن تستعيد طباعها، القبيحة منها والجميلة؛ لكنها تحس بضياع حقيقي لا تعرف حتى سببه. أصبحت تطرح على نفسها أسئلة وجودية لا جواب لها، من قبيل: “علاش كتصلاح أصلا هاد الدنيا؟ آش باغية ندير فحياتي؟ علاش أنا خدّامة أصلا؟ فين باغيا نوصل؟ علاش ما نعاودش كلشي من الزيرو، القراية والخدمة والحب والزواج؟ علاش ما نبدلش كلشي؟”… شي نهار يمكن الباتول تتفرڭع -عنداك يسمعوها المخابرات ويفهموها غلط-، لأنها فعلا على أهبة الانفجار، مكتئبة وحزينة لأسباب تجهلها. تريد فقط أن تتوقف عن رؤية نفس الوجوه صباح مساء. تريد أن تنسى أخاها العربي والمدير ووالدها ووالدتها والكونسييرج وباقي زملائها وحارس السيارات وبرامج “الأولى” و”دوزيم”… تريد عالما آخر يدغدغ مشاعرها من جديد ويستفز أحلامها. ويلا مادارتهاش، يمكن تتفرڭع بصح نيت. لكن أحدا لا يفهم. لذلك فكل من حولها لا يرون في حالتها إلا مجرد فْشوش؛ يسألونها باستمرار ما بها وفي نظراتهم ذلك التهكم الذي يقهرها من جديد. وهي لا تريد أن تتحدث. عماذا يريدونها أن تتحدث؟ هي براسها ما فاهمة والو. نهار تفهم آش واقع ليها، يمكن تشرح ليهم. مصّاب غير هاد الشي ما يطوالش؛ لحقاش الباتول عيات. ويلا سدّات عليها بصح، ما غادي يبقا فحياتها ما يتعاود…

الباتول الفضولية 14

juillet 29th, 2009

منذ مدة لم تسافر الباتول خارج الدار البيضاء. أصبحت تحس ببعض الإرهاق والتوتر. مشاكلها المهنية والعائلية والشخصية، إضافة إلى عقلها الذي لا يتوقف عن التحليل والتمحيص والتبرڭيڭ، كل هذا أصبح يشكل بالنسبة إليها مصدر إرهاق لا يضاهى. صباح يوم السبت، أخذت سمراؤنا الجميلة سيارتها المهترئة وتوجهت نحو أصيلة. الباتول تعشق البحر، خاصة خارج الصيف؛ حين تتلاطم أمواجه بعيدا عن ضوضاء المصطافين. ساعتها تحس الباتول بأنها تملك البحر والرمل والشمس. تحس بأنها ملِكة تسود في هذا الفضاء الرائع واللامتناهي. مجرد التفكير في ذلك يعطيها إحساسا كبيرا بالانتعاش والراحة. الجو هادئ وجميل وصوت يونس ميڭري ينطلق سجيا من راديو كاسيط سيارتها، رغم أنف مكبر الصوت المخرشش. ما أروع السفر! والدة الباتول لا تفهم معنى أن تسافر ابنتها لوحدها. لا تفهم أن الباتول لا تحلم بشيء في هذه الفترة أكثر من الانفراد بنفسها. كعاشقة، وحدها بين الرمال الذهبية، تحلم برجل قد يأتي أو لا يأتي. بغد أكثر إشراقا. بأحلام أكثر كثافة. توقفت الباتول في إحدى محطات الاستراحة. معلوم. هي ما موالفاش تشد الطريق لمسافات طويلة. تحتاج بين الفينة والأخرى لبعض الراحة. شربت بعض الماء ودخلت إلى “الكانيف” ومددت رجليها طويلا تحت الشمس قبل أن تنطلق من جديد. لكن قدر الباتول مجنون تائه. فقد قرر، حتى وهي في عطلة، أن يضع في طريقها مختلا عقليا وقف على بعد أقل من كيلومتر من محطة الاستراحة… باش يبول فالطريق. وشوفو الكلخ ديال شي بعضين! الباتول لم تفهم يوما هذا التصرف من بعض الذكور. كتشدّهم البولة، كيطلقوها فين ما كانو. حتى في بعض الشوارع الفخمة، يحدث أحيانا أن يستوقف نظرها رجل يواجه حائط مبنى ما ويتبول بنشوة كبيرة. بعضهم يبرر الأمر بأنه مامزيانش صِحّيا الواحد يحبس البولة. متافقين. البعض الآخر يتحدث عن مشكل البنيات التحتية وغياب المراحيض العمومية. حتى هادي متافقين عليها. الدولة مقصرة في هذا الجانب. يمكن ڭاع شي نهار يفكر شي مستثمر خاص فهاد القضية، علاش لاّ؟ شي شركة تكون سميتها “كنيف پوان كوم”. لكن، وبانتظار هذا وذاك، ألا يستطع بعض رجالنا مقاومة الرغبة في التبول إلى حين الوصول إلى وجهتهم؟ لنفترض أن القضية حماضت والسيد تزيّر بزاف، ألا يمكنهم التوجه إلى مقهى عمومي أو حتى شي محلبة أو پيسري، لاستعمال مرحاضهم؟ إنها أزمة سلوك حقيقية. موقف لا تحاول الباتول أن تجد له تفسيرا لأنه لا وجود لتفسير معقول يبرره. هو بكل بساطة سلوك غير حضاري.  الكارثة العظمى هي حين يقوم أحدهم بذلك على بعد بضعة كيلومترات من المرحاض؛ بحال هاد الأخ ديال لوطوروت. تجاوز محطة الاستراحة بأقل من كيلومتر واحد وأوقف سيارته ليتبول بكل حرية، أمام أنظار المسافرين. الباتول كانت تسخر من الراجِلين الذين يعبرون لوطوروت على بعد بضعة أمتار من القناطر المخصصة لهم، مغامرين هكذا بحياتهم مقابل مجهود بسيط يتطلبه منهم الوصول إلى القنطرة؛ ولكن هادي ديال البول بوحدها… وبما أن الباتول فضولية بطبعها، فحتى هي ما كانتش من العاڭزين. ما شعراتش براسها حتى وقفت أمام الشاب تسأله: “واش ما حشمتيش أخويا. محطة الاستراحة كاينة غير حداك عامرة بالمراحيض. آش فيها يلا مشيتي ليها بدل من هاد التصرف غير الحضاري”. لعل الباتول مجنونة، أو في أحسن الأحوال بالغة السذاجة. ماذا كانت تتوقع من رجل يقف في الشارع ليتبول وهو على بعد بضعة أمتار من محطة استراحة نظيفة وجميلة وأنيقة؟ أن يعتذر؟ أن يَعِدها بأن لا يعيد الكرة مرة ثانية؟ أي شخص يملك أدنى حد من الذكاء الاجتماعي، يستطيع أن يتصور ردة فعل الرجل؛ فقد انهال عليها سبا وشتما. “وانتي مال ر…ك حاسّة براسك؟ سحاب راسك فالميريكان؟ ياه علا عيالات! باغيين غير فين يتلصّقو”. الله يدوّز هاد الويكاند بيخير…

الباتول الفضولية 13

juillet 29th, 2009

هل تعلمون أنه ما زال في المغرب رجال يتبعون الفتيات في الشارع بسياراتهم؟ إلى غاية السبت الماضي، كانت الباتول تتصور أن هذه الفصيلة انقرضت أو كادت. ولكن لاّ… ما زال الكلخ فالبلاد. ما زال التبوهيل فالبلاد… السيارة كانت فخمة والشاب أنيقا وجميلا. لكن الباتول لا تفهم الأسلوب. لا تفهم وقاحة المقاربة. ألا يعلم الأخ الفاضل أنها إن وافقت على ركوب سيارته “بلا ما تفهمو غلط”، كما قال، فلن يكون ذلك إعجابا به بل بسيارته؟ مَهما كان الجواب، فالأكيد أن الباتول مجنونة. عرفتو آش دارت؟ قررت باش تتبع الكداب حتى لْباب دارو. وشوفو الفضول فين ممكن يوصل. المهم هو أنها تعرفو حتى لين ناوي يوصل. فتحت باب السيارة وركبت إلى جانبه. انحنى الشاب ليقبلها على وجنتيها. دغيا؟ الأخ ما كيضيعش وقتو. لكن الباتول ناوية “ما تفهموش غلط”. سألها عن اسمها. “متشرفين. أنا مراد”. إيوا أو من بعد؟ صمت ثقيل. الباتول ثرثارة لكنها تفضل أن تتركه يُسيّر اللعبة؛ أن تعطيه الانطباع بأنه العنصر الفاعل فيها. هكذا فقط سيكون بإمكانها إدراك الهدف بشكل أفضل. “نمشيو نشربو شي عصير؟” لِم لا؟ الصمت الثقيل يعود من جديد. أحوال الطقس. الضو لحمر خاسر. هاد العام الشتا ما صبّاتش. أهكذا تبدأ علاقات الحب في أجمل بلد في العالم؟ ليس غريبا أن يخاف البعض من مدونة الأسرة لأن سوء النية مُبيَّت عند الكثيرين. كم يبدو الموقف سخيفا. لكن الباتول في لعبة، واللعبة مسلية. وستستمر فيها إلى النهاية. وصلا إلى المقهى. “أنا كيعجبوني البنات اللي سمرات. ما عنديش مع الزعرات”. واو. دابا هادي مجاملة زعما؟ مشكلة الباتول أنها لا تستطيع أن تتوقف عن عاداتها السيئة. تعشق أن تحلل كل ما يحدث من حولها. سوابقها في الميدان معروفة. وبالتالي، فعبارة الأخ الفاضل لا تعني بالنسبة إليها إلا شيئا واحدا: عندك الزهر حيت جيتي فالستيل اللي كنبغي. إيوا حمدي الله”. كادت أن تقول له إنها، من جهتها، لا تحب الشباب البليد الذي يستعرض سياراته في الشوارع، لكن ذلك كان سيوقف اللعبة. والباتول عاجباها اللعبة مزيااان. وضع مراد مفتاح سيارته الفاخرة وهاتفيه النقالين على المائدة. يبدو واضحا أن الأخ من هواة الاستعراض. الباتول لا تحمل إلا حقيبتها البئيسة ونظاراتها الشمسية الصينية. أخفتهما في الكرسي المجاور ورسمت ابتسامتها البلهاء من جديد. “ما موالفاش ليا. هادي أول مرة غادي توقع ليا. غير حيت عجبتيني بزاف”. السيناريو القديم ذاته. لا أحد منهم متعود على ذلك. ولمن يغني عبد الوهاب الدكالي “الولف صعيب”؟ “ما بغيتكش تنوي فبالك شي حاجة خايبة. أنا ماشي ديال داك الشي”. آش من شي ألأخ؟ تمالكت الباتول نفسها من جديد. تمنت في أعماقها لو أن بعضهم يُبدع نوعا ما في مقاربته. لكن غباءهم مشترك وواحد. بدأ مراد يتحدث عن أسفاره إلى أوروبا. مطار لندن جميل. أحسن هبوط للطائرة عرفه في نيس. ما أجمل باريس… “ألمْ تسافري من قبل إلى أوروبا؟”. الاستعراض ما يزال مستمرا. لا يعلم أن ذلك يثير شهية الباتول وملَكات الفضول عندها. “أشنو رأيك نمشيو شوية للدار باش نكونو مرتاحين. هنا كاين الصداع”. هاهي عرفاتو فين كان باغي يوصل!!! ذكرها بالنكتة التي تحكي عن شاب قال لصديقته: “أشنو رأيك نمشيو نسمعو عبد الحليم حافظ فالدار؟”. حين سألته صديقته: “ومللي يسالي عبد الحليم حافظ، آش غادي نديرو؟”، أجابها: “نلبسو حوايجنا ونخرجو”. الباتول تحب أن تعطي لأمثال هؤلاء الانطباع بأنهم سادة اللعبة، لكن الكلمة الختام لن تكون إلا لَها. الباتول تكره الغباء والبلادة وتحتقر أشباه الرجال وكل من لا يملكون إلا أموالهم وأجسادهم للاستعراض. “ما يمكنش. حيث ما عجبتينيش. ما جيتينش فالستيل ديالي. ما عنديش مع اللي ما كيكسابو غير الفلوس”. حملت الباتول حقيبتها البئيسة ونظاراتها الشمسية الصينية، دفعت ثمن مشروبها وانسحبت وهي متأكدة أن مراد سيحمل سيارته ويعاود الكرّة من جديد. مادام الطلب موجودا، فالعرض سيبقى مستمرا…

« Previous Entries






Créer un Blog | Nom Domaine | Publicité | Créer Forum | Tag | Signaler Abus
Tags : culture | actualités | politique | bebe | finance | justice | ecologie
net | famille | jeux | droit | voyage | design | livre | internet | grippe | photos