صغيرتي،
بعد السلام، أعترف لك بأني أحسست بالحاجة للكتابة إليك. أعرف أن زمن الرسائل مضى وولى، لكني ما زلت أحمل بين ضلوعي الحنين لبعض رموز زمن غير بعيد، مازلت أحن إليه. أحب الرسائل التقليدية. أفضلها على الإيميلات المختصرة والرسائل الهاتفية، لأنها تحمل، بالنسبة إلي، شحنة من العواطف لا تستطيع التكنولوجيات الحديثة أن تنقلها. استيقظت اليوم وبأحشائي الرغبة في أن أكتب لطفلة كنتُها في يوم من الأيام. أنظر إليها والابتسامة على شفتي. أنظر إلى شقاوتها وإلى أحلامها وإلى تناقضاتها وتخوفاتها، فتستولي علي الرغبة في مخاطبتها…
لست ماضوية، صدقيني… بل إني أرفض الفكر الماضوي جملة وتفصيلا. لا تصدقي كل أولئك الذين يخبرونك بأن الزمن الماضي كان أفضل وأن الحب في زمن الآباء كان أصدق، وكانت الصداقة وكان الوفاء. لم يكن العالم أفضل حينما كنا نطبق تعاليم الدين الحنيف، لأن التاريخ أثبت أنه لم يكن هناك عهد تم فيه تطبيق الدين بحذافيره. لا تصدقي أن النساء في السابق كن أجمل، لأنهن كن يستعملن وسائل التزيين التقليدية؛ ولا أن الرجال كانوا أكثر رجولة والأطفال أكثر براءة… كل هذه مجرد خزعبلات. الطبيعة البشرية لم تتغير. الحب كان وسيكون، والغدر كان وسيكون، والوفاء كان وسيكون، والجمال كان وسيكون.
لا أريدك أن تلغي ماضيك لأنه جزء منك. لكن تطلعي إلى المستقبل وافتحي له الأذرع. عيشي اللحظة أيضا. عيشي الحاضر. مشكلتنا يا صغيرتي أننا موزعون بين التفكير المطول في ماض نَحِنّ إليه، وبين الرغبة في بناء مستقبل زاهر لا نعرف كيف سيكون. بين هذا وذاك، ننسى أن نعيش الحاضر. ننسى أن نتمتع باللحظة. الحاضر مهم يا صغيرتي، لا تنسي ذلك. أحاول أن أعيشه بكل ما يحمله إلي. لا أكترث لقيم يفرضها علي المجتمع. أصنع قيمي بنفسي. المجتمع يسعى دائما إلى تقييدي بأفكاره وتصوراته المتناقضة. يريد أن يجعل مني نسخة من امرأة لا تشبه حقيقتي. يريدني أن أكون بشكل معين وحياة معينة لكي لا أخرج عن النمط وعن المألوف وعن المتعود عليه. أرفض يا صغيرتي هذا التنميط، وأعرف أن هذا يخيفك، لأنك لا تفهمين جيدا كل الأسئلة التي تدور بذهنك اليوم.
لقد قررت منذ زمن أن أشبه المرأة التي أريدها. أعتذر، لأنك ستعانين من هذا الاختيار لفترة معينة، لكنك فيما بعد ستفهمين أنه كان الاختيار الأفضل: أن تتحدي وأن أتحدى المألوف الذي قد لا يشبهنا. لماذا يصرون أن يجعلوا منا نسخا متشابهة، مكررة؟ لماذا يخافون من أفكارنا وتصوراتنا وضحكاتنا ونكتنا وأُحادِيَتنا؟ لماذا يريدوننا صورا متشابهة تتكرر وفق نمط معين لتعطي أشكالا معينة؟
ثوري يا صغيرتي… ثوري ضد كل من يريدون لجم حريتك. حريتك وحريتي تخيفهم. لكن هل تعرفين لِمَ؟ إنهم يخافون حريتنا، لأنها تعكس لهم أَسْرهم وضعفهم. يكرهون حريتنا، لأنها تجعلهم يغرقون في مزيد من التنميط، حماية لذواتهم المزيفة من ذواتهم الحقيقية.
المغرب هذا…
ليس هناك شيء يستفزني كما تستفزني عبارة “المغرب هذا”. ليس قدرنا يا صغيرتي أن نكون شعبا متخلفا ولا قدرنا أن نغرق في أوحالنا. “المغرب هذا”، لأننا أردناه هكذا. لسنا إلا مجرد أنانيين ومنافقين. ننتقد كل شيء طالما نحن الضحايا، لكننا نعيد إنتاج نفس الممارسات ونفس السلوكات كلما أتيحت لنا فرصة الاستفادة منها. أغلب من ينتقدون الرشوة يعمدون إليها. أغلب من ينتقدون الفوضى في شوارعنا يسوقون سياراتهم بشكل جنوني. أغلب من ينتقدون عدم الانضباط والأنانية، يزعجهم أن يقفوا في الصف بانتظار دورهم. كنت منذ بضعة أيام في محطة القطار، حين وصلت فتاة أنيقة أمام الشباك لتحجز تذكرتها. استوقفتها لأنبهها إلى الصف الطويل الذي يقف فيه مواطنون مثلها، ينتظرون دورهم. ابتسمت بخجل وهي تقول: “آسفة، أنا مستعجلة”؛ وكأننا، من جهتنا، كنا هنا لتزجية الوقت لا غير. أليست هذه قمة الأنانية واللاحضارة؟ شبه متأكدة أنا أن هذه الفتاة ممن ينتقدون تخلف المغرب والمغاربة، بينما هي في الواقع جزء من مظاهر هذا التخلف، بل ومُكوّن أساسي له.
تعرفين، أعتقد أننا جميعا نحاول الاستفادة من النظام الكائن، كل حسب وسائله، كل حسب إمكانياته. حين لا ننجح في ذلك، ننتقد النظام وننتقد الفساد وننتقد الرشوة وننتقد استغلال النفوذ…
أعترف لك بأني نفسي قد أمثل أحيانا شكلا من أشكال هذا التخلف، حين تطغى علي الأنانية ويغلفني الجهل. لكني أنصحك بشيء مهم: لا تخافي أبدا من مساءلة نفسك. لا تغرقي في تناقضاتك. لا تنتقدي شيئا طالما تستفيدين منه بدورك وحاولي قدر الإمكان أن لا تستفيدي من نظام أعرج قد تنتقدينه عن صواب.
لا أؤمن بالسواد الكالح الذي يغلف هذا الوطن. أرى الأبيض في كل مكان، تماما كما أرى بقع السواد. أكره الخطابات الشعبوية التي مفادها أن كل الأغنياء مصاصو دماء وكل الوزراء مستغلو نفوذ وكل المنتخَبين انتهازيون. أكره هذا الخطاب، لأنه يجعلني ألعب دور الضحية، وأنا أكره لعب دور الضحية. لست ضحية يا صغيرتي، لأنني جزء من هذا الوطن ومن تناقضاته ومن كل الأشياء الجميلة فيه. لست ضحية لأننا، شئنا أم أبينا، نساهم في التغيير أو نكرس الجمود. وأنا أريدك أن ترفضي الجمود. كوني جزءا من التغيير الذي تحلمين به لهذا الوطن. لا تنتظري كل شيء من أصحاب القرار. مهما كانت نواياهم، فلن تكوني أبدا متأكدة من تحقيق أحلامك عبرهم. بالمقابل، لديك ضمانة شبه أكيدة بأنك وحدك تعرفين ماذا تنتظرين من الغد. قد يوفرون لك الظروف لذلك وقد يُحبطونك. لا تنتظري منهم كل شيء ففي ذلك ضياع للوقت وللجهد؛ وأنت لا تستحقين ذلك…
قاومي المجتمع الأبيسي الذي يفرض عليك سيطرته. اقتلي الأب كما يقول الفلاسفة. واجهي السلط التي تحاول أن تقصقص جناحيك الصغيرين لأنها تخاف، إن أنت طِرْت، أن تطيري بعيدا… اصنعي أحلامك وابنِها حُلما حلما.
لا للمساواة…
لا تضيعي وقتك خلف خطاب المساواة بين الرجل والمرأة. هذا مجرد هراء. لا تبحثي عن المساواة مع الرجل. ابحثي عن ذاتك. لا تطالبي بحقوقك كامرأة، بل عيشيها. عيشي أنوثتك وعيشي حريتك وعيشي جمالك وأنت تتدفقين بالحياة. عيشي حقوقك ولا تطالبي بها. مازلت أذكر أسئلتك الصغيرة وتخوفاتك وانفعالاتك وأنت تثورين ضد كل ما / من يعتبرك كائنا دونيا. أبتسم لثوراتك الجنونية ولحماسك المتدفق. تتوالى الصور أمام عيني وأنا أبتسم، فخورة بحماسك الشقي. سيأتي يوم تفهمين فيه أن حريتك لن تتأتى من حرب تخوضينها ضد الرجل. سيأتي يوم تفهمين فيه أن الحقوق لا تُمنح بل تُنتزع، كل يوم، كل لحظة. لا تطلبي حريتك من أحد. لا تستجديها. عيشيها كل يوم. عيشيها في روحك وفي قلبك وفي جسدك. كوني متألقة لكي تكوني سعيدة. كوني متناسقة مع ذاتك ومع تطلعاتك لكي تكوني سعيدة.
لا تخافي جسدك أيتها الطفلة الشقية المجنونة. استمعي إليه واستمتعي به وحاوريه. جسدك خائف من كل القيود التي تحيط بك. جسدك يرتعش من كل العيون المتوجهة إليه ومن بنادق الأخلاق ورشاشات الخطابات المحافظة. اصرخي في وجه كل هؤلاء بأن جسدك مِلكٌ لك وحدك؛ بأنك ولدت ومعك شهادة ملكية تعطيك حق التصرف فيه إلى الأبد. قولي لهم بأن لا حق لهم عليك ولا عليه.
لست أفهم كيف يريدون لجسدك الصغير أن يكون حامي الشرف. لست أفهم لماذا عليك أن تخنقي حريته لكي تثبتي فحولتهم. لست أفهم لماذا يُحملون جسدك الصغير كل هذه المسؤولية الكبيرة.
اعطي لنفسك الحق في الخطأ. من أخطائي الصغيرة والكبيرة تعلمتُ يا صغيرتي. لا تحاولي أن تكوني امرأة متكاملة، كما يريدونك. كوني أنت فقط، بضعفك، بحبك، بدموعك، برغابتك، بأحلامك، بتناقضاتك، بهواجسك، بتخوفاتك، بتطلعاتك الصغيرة وثوراتك المجنونة. لكي تكوني أنت، عليك أن تستمعي إلى ذاتك جيدا. لا تخنقي كل تلك الأسئلة التي أراها تتوالد في أعماقك. لا تؤمني بكل الحقائق الأكيدة التي سيحاولون فرضها عليك. قد يكونون محقين بالفعل؛ لكنك أبدا لن تكوني متأكدة، تماما كما أنا لست متأكدة. ابحثي عن حقائقك الخاصة وعن معتقداتك وقناعاتك. ابحثي عن ذاتك بمفردك. كل شيء قابل لأن يكون موضع تساؤل. كل شيء. لا تقبلي الحقائق الجاهزة. لا تقبلي لغة المُسَلَّمات. زعزعي القناعات الراسخة وفجري المسكوت عنه وانفجري في وجوههم. كل شيء قابل للمراجعة يا صغيرتي. تذكرين حين قلت لك ذات زمن: “لا شيء نهائي، إلا الموت”؟ هكذا قدرك أيتها الطفلة الشقية، أن تقضي حياتك وسط آلاف التساؤلات، حتى تعثري على حقيقتك.
وأنت…؟
أثور، أغضب، أكاد أنفجر حين أسمع الخطاب الذي يُحمل مسؤولية كل الهزائم وكل الانكسارات وكل علامات الفشل للآخر. أمريكا وإسرائيل والمشاكل الأسرية والحكومة والفقر والجهل والأمية والرشوة… واللائحة طويلة. يضحكني أن الكثيرين من بين أبناء هذا الوطن يتصورون بأن شغل أمريكا الشاغل هو القضاء على قيمنا الحميدة. يضحكني أن يرى الكثيرون من المحيطين بي الخطر الصهيوني في كل شيء، حتى في ثمن رغيف الخبز الذي ارتفع وفي فشل طفل صغير في الامتحانات وفي تساقط المطر وارتفاع درجة الحرارة واكتظاظ الأسواق وعلاقات الحب التي تفشل وانهيار منزل قديم…
هناك فصيل آخر من مواطني هذا البلد السعيد يُرجعون فشلهم إلى جهل الوالدين وإلى الفقر والمنتخَبين الذين لا يقومون بواجبهم وغياب الديمقراطية وتفشي الفساد.
صغيرتي، لن أكذب عليك وأقول إن كل هذا مجرد هراء أو اتهامات باطلة. لن أبيعك وهما لا أؤمن به. يحزنني، صدقيني، ويحز في نفسي أن أعترف بأن جزءا لا بأس به من رجالات السياسة في هذا البلد السعيد غارقون في الوحل إلى شاشياتهم. أشعر بالفعل بغضب شديد حين تواجهني قوانين أنتجها زمن قديم ومازالت تُفرض علي فرضا. أغضب حين أرى كل الأخطاء التي تُرتكب باسمنا والتي يمكن تفاديها. أنفعل بشدة حين أفكر في كل القرارات الشجاعة التي كان يُمكن أن تُتخذ، دون أن يحدث ذلك. أحزن حين أرى البؤس المحيط بي. أشعر بالإحباط أحيانا إزاء قرارات بليدة أرى أنه كان من الممكن تفاديها. لكني أيضا أؤمن بأن هناك أشياء جميلة تتحقق في هذا البلد الذي أحبه حتى النخاع. هناك منتخبون ووزراء ومسيرون يؤمنون حقا بما يفعلون، يشتغلون بصدق ويكافحون. قد يخطئون، لكنهم يحققون أشياء جميلة ويضعون اللبنات الواحدة خلف الأخرى. هناك إحباطات كثيرة تغضبني، لكن أشياء كثيرة تدعوني إلى الأمل.
لا أريدك أن تخدري نفسك بآمال زائفة، ولا أن تحبطي أحلامك بيأس لا أراه مبرَّرا. كوني جزءا من الغد الذي تحلمين به. لا تحملي مسؤولية قدرك لطرف آخر، كيفما كان هذا الآخر. لا تتكلي على أشياء قد تأتي أو لا تأتي. قد يخطئ الآباء وقد يبخل الحظ وقد تقهرنا الفوضى المحيطة بنا، لكننا نملك وحدنا مسؤولية قراراتنا.
أفكر أحيانا بشكل تبسيطي بليد: لنفترض أن هناك مجموعة من القوى (الحكومة، المنتخَبون، أمريكا…) اجتمعت وقررت أن تخطط خصيصا من أجل تعطيل أحلامنا. شخصيا، لا أرى أمامي هنا إلا اختيارين: إما أن أقضي وقتي مندِّدة بهذا الحيف، وإما أن أتجاوزه. ما رأيك؟ ما الذي تختارين؟ ماذا سيكون قرارك؟ أنا إنسانة متفائلة بطبعي ولدي رغبة مجنونة في أن أسير إلى الأمام وأن لا أندب الحظ العاثر. أريدك هكذا يا صغيرتي. لا تستسلمي للغة الخوف والقدر والمكتوب. أريدك أن تؤمني بأن مصيرك، أو على الأقل جزءا مهما منه، بين يديك. تحملي مسؤولياتك. ابحثي. اعملي. شاغبي. أحبي. انطلقي… قد لا تنجحين، لكني في كل هذا أسعى إلى شيء واحد: في إحدى سنوات العمر الآتي، أريدك أن تنظري إلى الخلف بابتسامة حنون وأنت راضية عن طريق قطعتها عن اختيار ورضى وقناعة. طريق لم يُفرض عليك بل اخترته بنفسك. طريق لم يتخلله الانتظار بقدر ما تغذى بالاختيار. قد لا تحققين كل أحلامك، لكنك ستكونين قد فعلت كل شيء من أجل ذلك. ما أروع أن نجاهد من أجل تحقيق أحلامنا. إن تحققت، نعانق الرضى، وإن لم تتحقق، نمسح جبيننا ونحن نقول: “حاولت ولم أنجح”. ما أبشع أن تمر السنون لنكتشف، متأخرين، أننا أضعناها في الانتظار. قد تكون لدينا ساعتها الجرأة والشجاعة الكافيتان لنعترف بمسؤولياتنا؛ وقد نعلق، مرة أخرى، فشلنا على شماعات الآخرين من جديد، لتستمر الدوامة…
هذا طبعا لا يمنعنا من انتقاد كل ما لا يسير على ما يرام، ومن معاقبة كل من يعطل مسيرتنا ومحاسبته. لكن مشكلتنا أننا اتكاليون، خنوعون، نكتفي بالنقاشات الجوفاء. لم أسمع يوما عن سكان منطقة ما قرروا أن ينتظموا ليحاسبوا منتخَبيهم بشكل فعلي. كلنا نكتفي بالنقاشات الجوفاء فيما بيننا. كلنا نتحدث بشكل تعميمي عن أولئك الذين نصوت من أجلهم والذين لا يقومون بواجبهم، وعن المرتشين والمفسدين والانتهازيين. في “أحسن الأحوال”، نختار أن لا نصوت “عقابا لهم”. لدي الرغبة يا صغيرتي في أن أقول لك بأن هذا الغباء يضحكني؛ لكني لا أستطيع، لأنه في الواقع يحزنني. الذي يحدث في النهاية أننا لا نصوت بالفعل، لأننا غير راضين عن مستوى تسيير مصائرنا من طرف أناس لم نعد نثق بهم. الذي يحدث أيضا هو أننا، شئنا أم أبينا، لا نستطيع أن نستغني عن هذه المؤسسات، وإلا انقلبنا إلى ديكتاتورية نحن في غنى عنها. هكذا، وشئنا أم أبينا مرة أخرى، سيتم التصويت، ولو بالنزر اليسير، على أشخاص ما، سيُسيّرون حياتنا لفترة من الزمن رغم أنوفنا… ومن جديد، سننتقدهم. سنقول لبعضنا البعض: “هل رأيت؟ ألم أقل لك بأنه لا فائدة من التصويت؟ إنهم هنا لقضاء مصالحهم الشخصية لا غير”. هناك خلل ما في هذه المعادلة يا صغيرتي. خلل نصنعه بإرادتنا وباتكاليتنا وبرفضنا أخذ المبادرة. جميل جدا أن ننتقد. جميل جدا أن نعبر عن آرائنا لأننا هكذا نشير إلى مكامن الخلل. لكن الأجمل والأنجع، يا صغيرتي، أن لا نكتفي بالانتقاد إذا كانت لدينا الرغبة الفعلية في تغيير الأشياء بسرعة، وفي التحكم في مصائرنا.
أخاف أن تنتظري الكثير من الآخرين وأن يضيع عمرك في الانتظار. لذلك، لا أنصحك بالانتظار. لا تنتظري أن تتغير الأوضاع لكي تواكبي التغيير. كوني عنصرا فاعلا في هذا التغيير، إن لم يكن من أجل المغرب، فلتفعلي ذلك من أجلك أنت. كوني أنانية إن اقتضى الأمر. اصرخي في وجه كل من تَرَيْنهم متقاعسين: “كنت أود أن تقوموا بمهامكم على أحسن وجه. كنت أود أن تصنعوا من أجلنا جميعا غدا أفضل… لكنكم تتقاعسون لكي تحبطونا؛ ولن تحبطونا”. صغيرتي، قد ترين أني مغرقة في التفاؤل، لكني أؤمن بأن هذا خياري الوحيد؛ وإلا فماذا يتبقي لي: أن أنتظر تغييرا قد يأتي أو لا يأتي. أن أرهن حياتي وأحلامي ومستقبلي بتغيير أنتظره من الآخرين. ماذا تريدين مني إذن: أن أظل مكتوفة الأيدي بانتظار منتخَبين أكثر صدقا وحكومة أكثر فعالية ومؤسسات أكثر ديمقراطية ومجتمع أكثر وعيا وقوانين أكثر حداثة وأكثر مُلاءمة للواقع؟ أرفض هذا… أرفض هذا يا صغيرتي، لأنه ليس لدي وقت أضيعه.
ثم، ما هذا التناقض الذي نغرق فيه وما هذا النفاق الذي نعيش داخله صباح مساء؟ لماذا نطالب الآخر بديمقراطية وبشفافية وبنزاهة لا نمارسها في حياتنا اليومية؟ المبادئ العظيمة لا تنطبق فقط على المؤسسات الكبرى بل هي سلوكات نمارسها بشكل يومي. تذكرين حين كان الوالد العزيز يطفئ التلفزيون ليلا حين يقرر أن ينام؟ أبتسم اليوم حين أسمعه يتحدث عن الديمقراطية، لأنه لم يُجرِ يوما استفتاء ليسألنا إن كنا بعد نرغب في مشاهدة التلفزيون أم لا. تذكرين ذلك القريب الذي ظل يمنح شهادات العمل للأقارب والأصدقاء حتى بعد إفلاس شركته؟ أكاد أنقض عليه اليوم حين يتحدث عن استغلال النفوذ والسلطات، لأنه مازال يستغل السلطة الوحيدة التي تتوفر لديه: وثائق شركة أفلست منذ عقد من الزمن.
هذا هو جوهر مشكلتنا: إننا لا نفهم أن الديمقراطية والحداثة والتقدم والنزاهة والحضارة والشفافية وغيرها سلوكات يومية نمارسها في حياتنا، قبل أن تكون خطابات رنانة نستعملها في أحاديثنا لنكرس أنفسنا في دور الضحية.
أخاف عليك يا صغيرتي أن تقعي في فخ هذه التناقضات. أخاف أن تغرقي في الانتقادات الشعبوية التي قد تضيع عليك عمرا من الزمن. أريدك حالمة رومانسية جميلة متدفقة بالأمل وبالرغبة في الاستمرار…
لن تكون الأمور سهلة. أعرف ذلك. أخاف عليك من الدموع التي ستعتصر قلبك الصغير عما قريب. أخاف عليك من الإحباطات التي ستتوالى عليك من كل مكان. أخاف عليك من الظلم الذي سيلحق بك. لكني أعرف أنك لن تستسلمي، لأنك تؤمنين بأن قدرك بين يديك ولأنك سترفضين أن يبنيه غيرك.
الحور العين
لا أعرف ما الذي يذكرني اليوم بالأحداث الإرهابية التي هزت مدينتنا البيضاء لثلاث مرات. أفكر كثيرا في هؤلاء الشباب. أحاول أن أفهم الحالة النفسية التي يعيشها شخص وهو يعلم أنه بعد لحظات، سيصبح أشلاء ممزقة. كيف يمكن أن نصل إلى هذا الحد من الإحباط؟ كيف يصبح الموت ملاذا؟ لأني إنسانة متشبثة بالحياة، لا يمكنني إلا أن أحزن بعمق وأنا أفكر في هؤلاء الشباب. أشفق عليهم من القهر الذي أوصلهم إلى الرغبة في الموت بحثا عن جنة افتقدوها. هل تعرفين معنى أن نستيقظ في الصباح ونخرج من بيوتنا لنواجه الموت يأسا؟ كيف وصلنا إلى هذا الحد؟ ما الذي أوصلنا إلى هذا الباب المسدود؟ كيف غلف اليأس عقولا صغيرة يُفترض أن تتدفق بالحياة وأن تضج بالأمل؟ أفكر فيهم من جديد وأحس برغبة في البكاء.
لست أتفق مع المقاربة التي نهجتها الدولة في “معالجة” هذا الملف. حين كنت طفلة، كتب أحد المعلمين على حائط مدرستي: “الوقاية خير من العلاج”. لم أكن حينها أفهم هذه العبارة. كنت أربطها بالصحة. بالجسد. بالوقاية من الأمراض. “درهم وقاية خير من 1000 درهم للعلاج”. ساعتها كنا صغارا وفقراء، وكانت الألف درهم تبدو لنا بعيدة، بعيدة… اليوم، أؤمن بشدة بأن الوقاية خير من العلاج. المؤسسات الأمنية اختارت مقاربة عنيفة لـ”محاربة الإرهاب”. لم تفهم أن الخطر أكبر من ذلك. لم تفهم أن اليأس قتل هؤلاء الشباب ألف مرة قبل أن تقتلهم القنابل. لم تفهم أن الوقاية خير من العلاج.
أقنعوهم بأن هناك جنة واعدة وحور عين ينتظرنهم في مكان ما من السماء، فتخلوا عن حقهم المشروع في الحياة بطواعية وعن طيب خاطر. كم يحزنني هذا يا صغيرتي. هؤلاء بدورهم شباب انتظروا كل شيء من الآخرين. من المجتمع ومن الدولة ومن المؤسسات المُسيرة. انتظروا حلما جميلا لم يُمنح لهم، فعلقوا آمالهم على جنة موعودة. لكني أؤمن في نفس الوقت بأن المقاربة الأمنية التي اختارتها الدولة للتصدي للخطر الذي يمثلونه لا تكفي.
الحب هو الحل. التشبث بالحياة هو الحل. الفن هو الحل. الرياضة هي الحل. المتعة، بكل معانيها، هي الحل. المستقبل هو الحل. الأمل هو الحل. الجمال هو الحل.
لماذا علينا أن نخاف كل هذا؟ لماذا علينا أن نغطي أجسادنا ونربي لِحانا ونخاف بعضنا، كي ندخل الجنة؟ لماذا علينا أن نقتل المستقبل ونخنق الحياة وندفن أنفسنا كي ندخل الجنة؟
غدا…
صغيرتي،
استمعي إلى ضجيج الحياة المحيط بك… لا تهربي من الخفافيش، بل واجهيها بحقك في الحياة وفي الحب وفي الجمال وفي المتعة. لماذا علينا أن نقتل حقنا في المتعة؟ لماذا نعتبرها خطأ وجريمة؟
أؤمن بالعمل وبالمثابرة، لأنهما سبيل النجاح. أؤمن بحقنا في غد أفضل وفي مسؤوليتنا في بنائه. لكني أؤمن أيضا بحقي في المتعة: متعة الروح ومتعة الجسد. المتعة بكل معانيها: على خشبة مسرح، خلف أنين كمانٍ حزين، وسط ملعب أخضر، على سرير دافئ، في ابتسامة بيت شعري… هذه هي المقاربة التي أؤمن بها. المقاربة التي تعطي بديلا حقيقيا. يقولون لي إن كل هذا مجرد ترف. لست أؤمن بذلك. المتعة هي التي تعطينا الأمل في الحياة والرغبة في بناء الغد. هذه هي الثنائية التي أتنفس من خلالها: المثابرة والتمتع بالحياة، بكل ما تحمله.
أرى التردد في عينيك المتسائلتين حين تحار في ذهنك الأسئلة. تبحثين عن أمثلة حية أمامك تجسد هذه الثنائية أمام ناظريك. أمثلة تعطيك الأمل في مستقبل أكثر إشراقا. أمثلة تبين لك أن الغد الأفضل ممكن وأن السُلّم الاجتماعي ممكن وأن الخلاص ممكن وأن القنابل والانفجارات لا تحصد إلا الموت.
أعتقد أن هذا ما ينقصنا. نحتاج إلى تقديم أمثلة حية على النجاح. أن نتجاوز مثال “الشلاهبي” الذي نجح بفعل الغش و”القوالب”. أن نبرز كل تلك الأمثلة -وهي كثيرة تحت سماء “أجمل بلد في العالم”- التي انطلقت من لا شيء، لتحقق أشياء كثيرة، لكن دون أن نغرق في البروباڭاندا العمياء التي تفقد في النهاية كل مصداقية. نحتاج إلى صنع حلم مغربي حقيقي نقتدي به لكي نتشبث بالأمل.
ماذا يرى الشباب المغربي اليوم؟ المهاجر الذي يعود كل صيف على صهوة سيارته الجميلة، متأبطا ذراع شقراء، وفي حقيبته حزمة من الأورو يوزعها بدون حساب. في الضفة الأخرى، يرى أمثلة حية لأناس نجحوا لأنهم غشوا. يخيفني يا صغيرتي أن الغش أصبح قيمة يفتخر بها الكثيرون. وسيلة أكيدة ومضمونة للنجاح. عملة رائجة. كيف تريدين التغيير مادمنا لم نزعزع بعد هذه القناعة؟
حين أرى الكم الهائل من الحياة الذي تخلقه مهرجانات هذا البلد، أقتنع بأننا شعب يحب الحياة ويرفض الموت. تستفزني خطابات التخليق التي تعتقد بأن الموسيقى ستخنق قيمنا وبأن الرقص سيقضي على ما تبقى من حضارتنا. أصرخ في وجههم: “الكبت هو الذي سيخنق حضارتنا”.
أعتقد أن هذا ما ينقصنا. أن نخلق لأنفسنا عوالم جديدة تغذي آفاقنا. أن نحدد ما نريده لأنفسنا ولهذا البلد وأن نسير في اتجاه بنائه بشكل فعلي. أن نفهم أن الثقافة والفن ليسا ترفا ولا مجونا، بل حاجة أساسية تغذي الروح وتقاوم الفراغ. فراغ الوقت وفراغ الروح. فراغ قد ينتج الإرهاب.
باختصار، هذا إذن ما نحتاجه اليوم: أن نعرف ماذا نريد، أفرادا ومؤسسات، وأن نبحث معا عن الأجوبة.
مرة أخرى أقول لك -لأن هذا يبدو لي مهما-: لا تخافي الحب يا صغيرتي. لا تخافي جسدك وقلبك حين يخاطبانك. لا تخجلي من رغبتك في الاستمتاع بالحياة، لأن ذلك حقك. سيقولون لك إن ذلك عيبا. لا تسمعي صوتهم. اصنعي قيمك التي ستؤمنين بها والتي ستحميك من نظراتهم. آمني بحريتك وبحقك في الاختلاف. زعزعي الثوابت والحقائق المطلقة.
أرى السؤال القديم-الجديد في عينيك، وأنت محقة. حريتك لا تقتضي فرض اختياراتك على الآخرين. لكن الأهم أن لا تتركي اختيارات الآخرين تقود حياتك. امنحي نفسك الحق في الاختلاف، طالما الأمر يتعلق بك أنت.
لا أعطي نفسي الحق في الحكم على الآخرين ولا أريدك أن تحكمي على الآخرين. ليس لديك الحق في ذلك.
هناك شيء آخر لا أريدك أن تنسيه: ليست لديك إلا حياة واحدة. لا تمنحيها للآخرين. لا تحاولي إرضاء مجتمع يسعى إلى تقييدك كل يوم أكثر. لا تهبيه متعة الرجوع بك إلى الوراء. انظري إلى الغد وعيشي الحاضر بكل ما يحمله إليك. تأملي ذاتك. وحين تصلين إلى مفترق طرق يحيرك، حددي معيارا واحدا لاختيارك، كيفما كانت طبيعة هذا الاختيار: “ماذا تريدين أنت؟”. ليس هناك اختيار يمكن اعتباره الأفضل بشكل مطلق؛ هناك فقط اختيارات تناسب وتلائم تطلعاتنا بشكل أفضل. لا تختاري بالرجوع أو بالاعتماد على مرجعيات الآخرين. لا تختاري شيئا بناء على معايير لا تشبهك.
لا تستلمي للأجراس التي تدق على باب غرفتك منذ زمن بعيد. اسمعي صوت قلبك. سائلي ذاتك. ابحثي بنفسك عن الأجوبة. زعزعي القناعات الراسخة. بالتأكيد، لن تجدي جوابا صريحا واضحا أكيدا. ستجدين العديد من الأجوبة. لكن هذا هو الطريق الأصح لكي تبني أجوبتك بنفسك، بعيدا عن كل تأثير.
لا أريد أن يهرب الزمن من بين يديك يا صغيرتي. لا أريدك أن تفقدي الأمل في الغد. لا أريدك أن تفقدي الأمل في وطنك. لا أريدك أن تيأسي. لا أريدك أن تستسلمي لخطاب التيئيس. لا أريد للبؤس أن يغطيك. لا أريد لليأس أن يلتهم ابتساماتك الطفولية. لا أريد للمتعارف عليه والسائد والمرغوب فيه أن يلتهم خصوصياتك وشغبك الطفولي اللذيذ. لا أريدك أن تقفلي على نفسك الأبواب، مؤمنة بخطاب واحد قد يكون الحقيقة وقد لا يكون. وكل هذا اليوم بين يديك.
تنفسي الحب والحرية. آمني بقيمة العمل والمثابرة. قاومي التيار. اختاري أن تقرري مصيرك بنفسك. لا تخجلي من جسدك ومن رغباتك. عيشي الحياة بكل ما تحمله إليك. انخرطي في كل التجارب حتى لو أدى بك بعضها إلى السقوط. ليس هناك ما هو أحلى من القيام بعد السقوط. ليس هناك ما هو أحلى من الابتسامة التي تأتي بعد دموع إحباط وحزن وفشل.
لا تمنحي لنفسك حقوقا تحرمين الآخرين منها. لا تكوني انتقائية في اختيار مبادئك. ثوري ضد القيم التقليدية البالية. امنحي لنفسك الحق في الاختلاف واحترمي حق الآخر في الاختلاف. لا تنسي أنك لا تملكين الحقيقة المطلقة؛ ولا تنسي الأهم: وحده الموت نهائي. كل ما تبقى، فهو قابل للنقاش.
هكذا فقط قد تكونين متألقة…